الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٥

ظمآنا، ثم مر به ثائراً مرة، وهو متلثم وفي يده بعض نبله، فلما نظرت إلى النبل، عرفته، لأن أفواقها كانت من عظام وقرون، وكانت معروفة فاستدعى القرى، فأطعمته أقطاً، وتمراً، ليزداد عطشاً، واستسقاها فسقته، ريا فزاده عطشاً، فقالت له الماء منك على بعد، وأومت له على جبل بعيد المطمع لتوهمه ويزيده عطشاً، فلما ولى أتت، قومها، فوصفت لهم صفة نبله فعرفوه، وقالوا هذه صفة نبل الشنفرى (1).

واشتدّ بالشنفرى العطش، فأرسل القوم إلى صاحبهم أسيد بن جابر الغامدي لا تبرح من مكانك، فإن الشنفري يجول حولك، ولا بد أن يرد، وقد اشتد به العطش، فأقبل بالليل يريد الماء، وقد خلع إحدى نعليه وشدّها على قلبه مخافة من سهم يأتيه، وجعل يضرب الأرض بنعله ويمشي بالأخرى حافيا، فسمع الغلامان حسه فقالا: يا أبانا [249] الضبع أو رجل الضبع قد تقيص إذا خطت، فقال أبوهما كلا بل هو الخبيث يلبس علينا فلما قرب الشنفرى توجس فوقف يحد النظر يميناً وشمالاً، ويستنشق الريح ويقول شعرا (2). أوس تريح الموت في المكاشر لا بُدّ يوماً من لقى المقادر يتبعه وأسهم طواير

هلا أروني أسد بن جابر

ومرهف ماضي الشباة باتر

وقوعه في الرأس والنحائر

أخطأت ما أملت بابن الغادر

لست بوراد ولا بصادر (3)

ثم نكص راجعاً يضحك ويهدهد الصخور، حتى إذا كان بأسفل الوادي رفع

(1) المصدر نفسه، ص 165 - 166. (2) المصدر نفسه، ص 166.

(3) انظر: شرح ديوان الشنفرى، جمع وشرح وتحقيق محمد نبيل طريفي، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2003 م، ص 54.

132