الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦رحمه الله، وبعض الفضلاء النجباء الألباء، قال لي: ما تكلم في فن إلا حسب سامعك أن ذلك فنك دون غيره. وقال وبعضهم كان يسميني الفرضي لكونه حضر عندنا يوماً في حساب الفرائض، مع اشتغالي بعلم الفرائض، كان أقل اشتغالي به من العلوم، واشتغالي بغيره من العلوم، كان من نصف عشر اشتغال غيري من العلماء، وكتبت إلي جماعة من شيوخ الفقهاء والفقراء والصلحاء، أتبرك بهم، فلم
6
يمض كثير من الزمان حتى جاؤوني زائرين وقد كانوا من العلماء المقتدى بهم والشيوخ المشار إليهم، [351] وأنا إذ ذلك أمي لا أقرأ ولا أكتب، والحمد لله ذي الجلال والإكرام على ما عود فضله من الجميل والأنعام تم ما قال. رجعنا إلى ذكر الإمام مالك، قال وهب: سمعت منادياً ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس، وابن أبي ذؤيب. وكان مالك إذا أراد [أن] يحدث، توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يكره أن يحدث على الطريق، أو قائماً، أو مستعجلاً، ويقول: لأحسب أن يفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يركب في المدينة، مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة.
وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن (1): أيما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم يعني الإمامين أبا حنيفة ومالك في السنة، قال: قلت: على الإنصاف، قال: نعم، فقلت: ناشدتك الله من أعلم بالسنة، صاحبنا أم صاحبكم؟ قال:
(1)
محمد بن الحسن محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبد الله، إمام الفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، سمع من أبي حنيفة وغلب عليه مذهبه وعرف به قال عنه الشافعي: ((لو) أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت، لفصاحته)) ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي، له كتب كثيرة في الفقه والأصول منها: " المبسوط" و" الزيادات" و" الجامع الكبير" و" الجامع الصغير" توفي سنة 189 هـ. أنظر الزركلي، خير الدين: الإعلام، ج 6، ص 80.