الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧اللهم صاحبكم، قال: فقلت: أنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء نقيس؟ وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، وتجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها، فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحداً يعزيه، ولا يقضي له حقاً، واحتمل الناس ذلك، حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: الياس كل الياس بعد أن يتكلم بعذره، وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي، عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به، وجردوه، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب مناراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو نفسه، وكأنما كانت تلك السياط حلياً حلّي به، وذكره ابن الجوزي في كتاب " صدور العقود " أنه ضرب مالك بن أنس تسعين سوطاً لأجل فتوى، لم توافق غرض السلاطين، وقد تقدم أنه ولد سنة أربع وتسعين، وقيل: خمس وتسعين، وعاش أربعاً وثمانين سنة. وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، والله أعلم بالصواب. وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي [352] في كتاب " جذوة المقتبس " قال: حدثني القعنبي، قال: دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلس، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟ فقال: يا بن قعنب، وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أنني ضربت بكل مسألة أفتيت بها برأيي بسوط، ولقد كانت لي السمعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت