الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢عليهما رضوان الله يا صفية عمة محمد، و يا فاطمة بنت محمد، خذاه لأنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، وحكى بعض الزهاد، قال: مررت على مقبرة، فرأيت بهلول (1) بن راشد جالساً بين قبرين وهو تارة ينظر إلى السماء، فيتهلل، وتارة ينظر إلى الأرض فيعتبر، وكان ينظر عن يمينه، فيبتسم، وتارة ينظر عن شماله، فيبكي. قال فقلتُ له: يا بهلول أراك قعدت بين القبور، قال: نعم قعدت بين قوم لا يؤذوني، وإذا غبت عنهم لا يغتابوني قال وتنظر إلى السماء، فتتهلل قال: نعم، إذا نظرت إلى السماء ذكرت قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون (2) فحق لمن سمع هذه الآية أن يتهلل، قلت: وتنظر إلى الأرض، فتعتبر، قال: نعم إذا نظرت إلى الأرض ذكرت قوله تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (3) فحق لمن سمع هذه الآية أن يعتبر، وتنظر عن يمنيك فتبتسم، قال: نعم، إذا نظرت عن يميني ذكرت قوله تعالى: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (4). فحق لمن سمع هذه الآية أن يبتسم، وقلت: وتنظر عن شمالك، فتبكي، قال: نعم، إذا نظرت عن شمالي ذكرت قوله تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (9) فحق لمن سمع هذه الآية أن يبكي. وقال بعض العباد لبعض الزهاد: أراك تمزج الرجاء بالخوف، فقال له: أجل، وكيف لا يكون ذلك مني؟ والله تعالى يقول: {فريق في الجنة وفريق في السعي (6) ولم أدر من أي الفريقين
(4) ،
(1) بهلول بن راشد (128 (183 هـ: هو البهلول بن راشد أبو عمرو الحجري الرعيني بالولادة، من علماء الزهاد من أهل القيروان أخباره في الزهد كثيرة، له كتاب في الفقه على مذهب الإمام مالك، وقد يميل إلى أقوال الثوري وقيل: إن أصحابه دونوا الكتاب عنه. أنظـ الزركلي، خير الدين: الإعلام، ج 2، ص 77.
(2)
(3)
(4)
(°)
سورة الذاريات، الآية 22.
سورة طه، الآية 55.
سورة الواقعة، الآية 27.
سورة الواقعة، الآية 41.
(6) سورة الشورى، الآية.
9