الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١بالقرآن، أولو الألباب، ذو العقول والنهى، وهذا ما أوردناه كله في شرف العقل، فإنها به تدرك النفوس العلوم الضرورية والعقلية. وذكر أبو حامد في "المعيار": أن في الإنسان ثلاثة حكّام حاكم حسي، وحاكم وهمي، وحاكم عقلي. والمصيب من هؤلاء الحكام الثلاثة الحاكم العقلي. قال: والنفس في أول النظر أشدّ إذعاناً وانقياداً للقبول، الحاكم الحسي والوهمي لأنهما سبقا في أول النظر إلى النفس وفاتحاها بالإحكام عليها، فألفت النفس إحكامهما، وأنست بهما من قبل إدراكها الحاكم العقلي [359]. فاشتدّ عليها النظام عن مألوفها، والانقياد إلى ما هو كالغريب عن مناسبة جبلتها، فلا تزال تخالف حاكم العقل وتوافق حاكم الحس والوهم، وتصدقهما، إلى أن يضبط بالحنكة، قال: وإن أردت مصداق ما نقوله في تحريض هذين الحاكمين الحسي، والوهمي، واختلافهما، فانظر إلى حاكم الحس، كيف يحكم، إذا نظرت إلى الشمس، قضي عليها بأنها في عرض مجنّ الترس، وفي أشخاص الكواكب بأنها كالدنانير المنثورة على بساط أزرق، وفي الظل الواقع على الأرض، للأشخاص المنتصبة بأنه واقف لا يتحرك، وإلى شكل الصبي في مبدأ النشأة، بأنه واقف، وكيف عرف العقل ببراهين لم يقدر الحس على المنازعة فيها، بأن قرص الشمس أكبر من كرة الأرض، بأضعاف مضاعفة، وكذا الكواكب، وكيف هدانا إلى أن الظل الذي نراه واقفاً، أنه متحرك على الدوام، لا يفتر، وأن طول الصبي في مدة زمان النشوء غير واقف، بل هو في النمو على الدوام، مترق إلى الزيادة، ترقياً خفي التدريج، يكل الحس عن دركه، ويشهد العقل به وأغاليظ الحس من هذا الجنس تكثر، فلا تطمع في استقصائهما، فانتفع بهذه النبذة اليسيرة من أخبار أنبائه، لتطلع علي إغوائه. قال: وأما الحاكم الوهمي، فلا تغفل عن تكذيبه بموجود الإشارة إلى جهته، وإنكاره لشيء لا يناسب أجسام العالم بإنفصال وإتصال، ولا يوصف بأنه داخل العالم، ولا بخارجه ولولا كفاية العقل شرّ الوهم في تضليله هذا، لرسخ في نفوس العلماء من الاعتقادات الفاسدة في خالق الأرض والسماء، مارسخ في نفوس العوام والأغبياء، فلا يفتقر إلى هذا الإيغال في تمثيل تضليله وتخييله، فإنه يكذب
18