الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢مما هو أقرب إلى المحسوسات مما ذكرناه، لأنك إن عرضت عليه جسماً واحداً فيه حركة، ولون، وطعم، ورائحة، وإقترحت عليه أن يصدق بوجود ذلك في محل واحد على سبيل الاجتماع، ماروعه عن قبوله، وتخيل أن بعض ذلك تضام للبعض، أو مجاور له، وقدر حلول كل واحد في الآخر، على مثال ستر رقيق، منطبق على ستر آخر، ولم يكن في جبلته أن يفهم تعدده إلا بعد تعدد المكان فإن الوهم إنما يأخذ من الحس، والحس في غالب الأمر يدرك التعدد والتباين بتباين المكان والزمان فإذا رفعا جميعاً عسر عليه التصديق بأعداد متغايرة بالصفة والحقيقة حالة فيما هو خبر واحد، فهذا وأمثاله من أغاليط الوهم، يخرج عن حدّ الإحصاء والحصر، والله وحده هو المشكور على ما وهب من العقل الهادي من الضلالة، المنجي عن ظلمات الجهالة المخلص بضياء البرهان عن ظلمات وسواس الشيطان. قال: وإذا
أرادت مزيداً من الاستظهار في إحاطة هذين الحاكمين، فدونك، فاستقر ما ورد في الشرع من نسبة هذه التمويهات إلى الشيطان وتسببتها وساوس، وإحالتها على الشيطان، وتسميته ضياء العقل ذا آية ونور ونسبته إلى الله وملائكته في قوله: الله نور السموات والأرض (1)، ولما كانت مطية الخيالي والوهمي دماغ، وهما منبع الوسواس، قال أبو بكر، رضي الله عنه لبعض من يقيم الحد على بعض الجنات اضرب الرأس، فإن الشيطان [360] في الرأس، فلمّا كانت الوساوس الخيالية والوهمية ملتصقة بالقوة الفكرية، التصاقاً يقل الخلاص عنها، حتى كأن ذلك امتزاج الدّم بلحومنا وأعضائنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإذا لاحظت بين العقل هذه الأسرار، نبهت عليها، إستيقنت بشدة، إلى تدبير الحيلة في الخلاص عن هذين الحاكمين، انتهى. قلت: والله در أبي الطيب مما أورد في بيته القريضي من فضيلة العقول، حيث يقول: أدنى إلى شرف من الإنسان
لولا العقول لكان أدنى ضيغمُ
19
سورة النور، الآية 35.
(1)