الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٧الملوك وسادات العرب، وعاش مائتي سنة ونيفاً، وكان شريف زمانه، وقدم يوماً على النعمان بن المنذر [26]، فدعا النعمان بحلة وعنده وجوه العرب وقوادها، فقال لهم اجتمعوا في غدٍ حتى ألبس حلة أكرمكم، فحضروا كلهم إلا أوسا، فقيل له لم تخلفت؟ فقال: إن المراد من غيري، فالأجمل أن لا أكون حاضراً، فلما جلس النعمان، لم ير أوسا، فقال: اذهبوا إلى أوس وقولوا له احضر معنا أمناً مما خفت، فحضر فلبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطينة (1) اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال لهم: كيف أهجو رجلا لا أرى شيئا إلا من عنده؟ ثم قال: (2)
كيف الهجاء وماتنفك صالحة
(3)
من آل لام بظهر الغيب يأتيني (3)
(1) الحطيئة: هو جرول بن أوس الملقب بالحطيئة من بني عبس من مضر ولد من أمه السمها الضراء، فكان مضطرب النسب، غير صحيح القرابة طلب الالتحاق بأخوته من أبيه، فلم يفلح فهجاهم والتحق بأهل امرأة أبيه من بني ذهل، فلم يلق عندهم فهجاهم وانصرف عنهم. ولم تعد حياة الحطيئة مذ ذلك سوى تنقل مستديم من قبيلة إلى قبيلة، وتقلب من نسب إلى نسب فتضاءلت في نفسه حوافز الشرف والإباء، وانقبضت فيه عواطف الحياء، فراح يسعى وراء المنفعة يتطلبها بشعره حيثما وجدت فيمدح من أعطاه، ويهجو من رده، وكان خشونة حياته أضعف في قلبه حبه للناس والحدب عليهم، فغلب على لسانه الشعر الهجائي، حتى صار في أواخر العهد الجاهلي ذلك الإنسان الذي يُخشى جانبه، ويبعث في النفوس اشمئزازا. توفي الحطيئة سنة 59 هـ 679 م. ويروى أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يحمل على أتان إلى أن يموت، قائلا في ذلك أن الكريم لا يموت على فراشه، فحمل على أتان تذهب به وتجيء به وهو يقول:
لا أحد ألأم من حطينة
هجا بنيه وهجا المرية
من لؤمه مات على فرية
وللحطيئة ديوان تصرف الرواة بقسم من شعره، طبع للمرة الأولى في القسطنطينية سنة 1890 م، وفيه مديح وهجاء، وفخر نسيب، انظر الفاخوري، حنا: تاريخ الأدب العربي، ص 194 - 195 - 196 أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين: كتاب الأغاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ج، ص 431. (2) العوتبي؛ سلمة بن مسلم الأنساب، ج 1، ص 276. (3) انظر شرح ديوان الحطيئة، رواية وشرح ابن السكيت، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى عام 2001 م، ص 156 وهو البيت الأول من قصيدة بعنوان جادت لهم ومن
أبياتها:
جادت لهم مضر العليا بمجدهم أحمت رماح بني سعد لقومهم
YA
وأحرز وامجدهم حينا إلى حين مراعي الحمر والظلمان والعين