الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٩فوهبه له، فأنكر عليه غلمانه، فقالوا: أتتصدق بالنبيذ؟ فقال لهم: أخرجنا دنا، فجاءنا عشرة، ويُنسب إليه من هذه الأمور شيء كثير (1).
وعرض له في رأس التسعين فالج، سقى له الترياق فبرئ ومنه، رجع إلى أفضل أحواله، ولم ينكر من نفسه شيئاً، ورجع إلى سماع تلاميذه وإملائه عليهم، ثم عاد الفالج إليه بعد، حول لغذاء ضار تتناوله، فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدمه، فكان إذا دخل عليه الرجل صاح وتألم، وإن لم يصل إليه، قال تلميذه أبو علي اسماعيل بن القاسم المعروف بالبغدادي (2): فكنت أقول: إن الله عز وجل عاقبه لقوله في قصيدته المقدم ذكرها، حين ذكر الدهر، فقال (3): مارست من لوهوت الأفلاك من جوانب الجو عليه ما شكا (4) وكان يصيح صياح مَن يُمشي عليه، أو يسل بالمسال، والداخل بعيد منه، وكان مع هذا الحال ثابت الذهن، كامل العقل، يردّ فيما يسأل عنه ردّاً صحيحاً، قال أبو علي: وعاش بعد ذلك عامين، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة، وهو في هذه الحالة، فيرد بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة، وقد سألته عن بيت شعر: لئن
(1) انظر: ابن خلكان، أحمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان، ج 4، ص 325 - 326. (2) أبو علي اسماعيل بن القاسم (288 - 356 هـ / 901 - 967 م): هو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان أبو علي القالي، أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب. ولد ونشأ في مناز جرد على الفرات الشرقي بقرب بحيرة (وان ورحل إلى العراق، وتعلم في بغداد 25 سنة، ثم رحل إلى المغرب سنة 328 هـ، فدخل قرطبة في أيام عبد الرحمن الناصر واستوطنها، وأحبه الحكم المستنصر بن الناصر. ومات أبو علي في أيامه بقرطبة، أشهر تصانيفه كتاب "النوادر" ويسمى "أمالي القالي" في الأخبار والأشعار. وله "البارع" من أوسع كتب اللغة، و"المقصور والمحدود والمهموز. وكان أهل المغرب يلقبونه بالبغدادي لمجيئه إليهم من بغداد. انظر: الزركلي، خير الدين الأعلام، ج، ص 321 - 322.
(3) انظر: ابن خلكان، أحمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان، ج 4، ص 326. (4) المصدر نفسه، ص 326.
256