البديل الإباضي وفن الممكن علي القريشي

البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي

الجزء ١ · صفحة ١٧

وعلى صعيد العمل يبرز مفهوم " العمل الجماعي المشترك " و" مبدأ التطوع " في سياق الجهود التي تصب في خدمة المصلحة العامة وتحقيق النفع العام ، وهذا ما يلحظ تجسيده في الإسهام في حفر " الأفلاج " وبناء السدود والأسوار وإقامة البنايات وحفر الآبار وإصلاح الطرق وتنظيف المدينة والاشتراك في حملات الغرس ومواجهة كوارث السيول وهجوم الجراد وإيقاف زحف الرمال ونحو ذلك .

بهذه الروحية استطاع الميزابيون أن يحفروا في واحاتهم ما يزيد على أربعة آلاف بئر ومائة (20) يتراوح عمق الواحد منها ما بين " 25 إلى 80 متر " وأن يغرسوا حوالي مائتي ألف نخلة (21) تتفيأ بظلالها أشجار الفواكه والخضروات والبقول وغيرها ، فضلا عن تعميرهم المدينة بشكل ذاتي في العديد من الأشغال البلدية والتنموية المختلفة .

وإذا كان " المكاريس " يقومون بدور بارز في مثل هذه الأنشطة العامة ، إلا أن العمل المشترك كقيمة عليا بلغ من أهميته أن من كسل عن الإسهام فيه يغدو محل تعبير وسخرية من قبل النساء والأطفال ولا يمكن أن يحضى بأي احترام اجتماعي (22) ، لأن كل فرد لا بد أ يخدم المجموع.

والحقيقة أن هذه القيم الاجتماعية التي انغرست في عقل ووجدان سكان الوادي لم تكن لتتم بمعزل عن العقل المنظم والتخطيط الاجتماعي ، فمنذ لحظة التأسيس والسكان درجوا على تقسيم أنفسهم إلى مجموعتين : واحدة تمكث في الوادي تزرع وتعلم وتسهم في البناء الاجتماعي ، وأخرى تسافر إلى الشمال حيث مدن الجزائر ووهران وتونس وغيرها لرفد الداخل بالمال والاستثمارات البانية ولا زالت هذه المنهجية قائمة حتى اليوم (23)

١٧ / ٣٠