البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي
الجزء ١ · صفحة ٢٣إن القيمة المركزية الملموسة في نظام العزابة هي فيما منحه النظام لمجتمع وادي ميزاب من إمكانية إدارة شؤون حياتهم بشكل ذاتي وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وبعيدا عن سيادة القوانين الوضعية ومؤثرات الحداثة المستجلبة، حتى استطاع بذلك أن يحمي الوادي من كثير من الانحرافات والشرور ، وأن ينظم حياته المعيشية والاجتماعية والاقتصادية بفعالية فذة عبر تكريسه لقيم الأخوة والعمل والتعاون والعدل والمساواة والتكافل والروح الجماعية .
كما لعبت حلقات العزابة دورها في عملية " الضبط الاجتماعي " على نحو أبقى الأفراد والجماعة في دائرة المحافظة والالتزام إلى حد كبير ، وقد كان لمبدأ " البراءة " (30) الشخصية أثره في الردع بما تضمنه من مقاطعة وهجران لكل شخص تثبت عليه جريمة شنعاء أو انحرافا أو ظلما بينا أو عملا مرذولا ، ولم يتراجع عنه علانية وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ( المجادلة : من الآية 22) .
وقد كان من حسنات العزابة أنها لم تكن " حزبا" أو "نقابة " فئوية ، فهي على الرغم من مؤسسيتها وانضباطيتها ظلت تعمل في إطار المجتمع الأهلي العم ولم تقتصر فعالياتها على المرتبطين بها بشكل مباشر ، بالتالي شملت مظلتها كل أفراد المجتمع الإباضي وفئاته .
وليس من شك أن هذا النظام الذي أعتمد المبادئ والأحكام الإسلامية قد أوجد مجتمعا ممتازا ليس فيه متسول ولا حانة خمر ولا ناد للقمار ولا وكر للفساد ولا عاطل عن العمل ولا فتى متشرد أو طفل لا يعرف طريقه نحو التعليم .
ولعل هذه المعطيات المشرقة قد دفعت بالمفكر الجزائري مالك بن نبي – حين زار الوادي في نهاية العقد السادس- أن يصف مجتمعه بأنه مستوف للشروط النفسية والاجتماعية التي تجعل منه " حضارة مصغرة " (31).