البديل الإباضي وفن الممكن لعلي القريشي
الجزء ١ · صفحة ٢٥إن الميزابيين امتازوا منذ لحظة التأسيس بوعيهم الحركي والشرعي ، لذلك لم يحملوا أنفسهم أكثر مما يقتضيه " فن الممكن " وبالتالي لم يتجاوزوا في أنشطتهم الحدود المتاحة، الأمر الذي أكسبهم قدرا كبيرا من الحكمة والمرونة وأيضا بعض التسامح من قبل السلطات على النحو الذي ساعدهم على التمتع بوضع شبه مستقل حال دون التدخل في شؤونهم الداخلية ، أو إحداث التغيير القسري في نمط حياتهم الخاص .
وإذا كان العديد من أحكام العزابة وأنشطتها أخذ يتوارى في العقود الأخيرة ، إلا أن الوادي ظل مع ذلك متشبثا بمقوماته الأساسية ومحافظا على مجمل أنماط حياته الاجتماعية والسلوكية المتميزة .
إن من حق الأوساط الميزابية أن تحتفل بمرور ألف عام (34) على إرساء هذا النظام الاجتماعي الإسلامي الفريد ، وإن من واجب المسلمين الآخرين – بخاصة المعنيين منهم بالتغيير – أن يمعنوا النظر في هذه التجربة النادرة ويستلهموا منها الدروس . بيد أن كل ذلك لا يمنعنا من أن نكشف عن عدد من التحديات التي صار يواجهها هذا النظام اليوم ، ولعل أخطرها :
- الاختلاف وتحديات التعايش :
يتسم المجتمع الميزابي بظاهرة العزلة والتمحور حول الذات ، وإذا كان لظروف النشأة وتاريخ المطاردات أثرها في تكوين تلك السمة ، فإن حرص الميزابيون المشروع على خصوصيتهم قد ولد لديهم قدرا من التوجس إزاء الاختلاط بالآخرين ، مع ما يحمله ذلك من إمكانية نقل عدوى العادات المرفضة أو التأثر بمظاهر الحداثة المستجلبة ، إلا أن الإنطواء والعزلة يظلان مع ذلك أمران سلبيان ، وأنه لمن ضرورات العصر أن يدرك الميزابيون أهمية فتح النوافذ والخروج من القوقعة المحلية وإجراء الاتصال مع الآخرين وإدارة الحوار معهم (35).