الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦356
تمهيد قواعد الإيمان
قد ألجمهم العرق، وبلغت منهم القلوب (1) الحناجر من الفرق، قالوا للمؤمنين انظرونا أي أمهلونا قليلا لنسعى في آثاركم مقتبسين من أنواركم، فقد كنا في
الدنيا بجواركم، مختلطين في عماركم، وهيهات قد انقطع الرجاء، وعدم الملتجاء فمن لا نور له يهديه إلى الحق في دنياه، لاتباعه مجرد هواه، وغفلته عن الله فيما أمر به ونهاه قد أحاطت به ظلمات ظلمه في جهله أو علمه، فلا نور له في آخرته فإلى أين يذهب به، ولهذا قيل لهم على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء، ارجعوا وراءكم فالتمسوا (2) نورا، وهيهات فلا نور لهم حينئذ إلا النار، ولا سلامة لهم إلا البوار، فحينئذ ضرب بينهم بسور له باب يدخل منه أهل الجنة إليها، وهو المسمى بالأعراف في قول المفسرين باطنه من جناب الجنة فيه الرحمة لأهلها الأبرار، وظاهره من شق نار الله الموصدة فيه العذاب لأهلها والبوار.
(ينادونهم) المنافقون هم الذين ينادون يقولون للمؤمنين، ألم نكن معكم في دار الدنيا مختلطين؟ يذكرونهم بما كان بينهم من الصحبة والمجاورة والأنساب والقرابة يوم لا يجزي والد عن ولده شيئا، ولا مولود هو جاز عن والده، فيقولون لهم: بلى أي كنا كذلك ولكنكم فتنتم أنفسكم، أي محنتموها بالنفاق، وأهلكتموها بالظلم والشقاق، وتربصتم الدوائر بالمؤمنين، وارتبتم أي شككتم في صدق وعد الله ووعيده، فلذلك (3) أسأتم الأعمال، وأهملتم من الآخرة كل الإهمال، وغرتكم الأماني طول الآمال، والطمع في امتداد العمر بكثرة الإمهال حتى جاء أمر الله بمغافصة (4) الحمام لانقضاء الأيام، وغركم بالله الغرور، وهو
الشيطان الكفور.
(1) في أ: وبلغت القلوب منهم. (2) في ب: التمسوا. (3) في أ: فلذلكم.
(4) المغافصة: المباغتة وغافص الرجلَ مغافصة وغفاصا أخذه على غرة فركبه بمساءة.