الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٧التوحيد وما يجوز من الصفات لله تعالى وما لا يجوز حقيقة ومجازا
517
ثلاث مرات مخبرا بها عن نفسه، من غير مندوحة، ولا في موضع تقية على نفس ولا دين ولا مال، وليس هو مجبرا على ذلك، ولا مأخوذا به، وقد كان له في الاحتجاج بغير هذا مجال رحب وسعة، وقد احتج عليهم بغيره في غير مرة، كما صرح به في كتاب الله تعالى، ولكن رأى خطابهم على هذا الأسلوب، والجري معهم على هذه الطريقة أقطع لحجتهم، وأدمغ لكلمتهم، وأبلغ لتبكيتهم، وأوضح لإعجازهم، فأثنى الله عليه بذلك، وحكى ما قاله هنالك.
وقال تأييدا له: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (1) وإذا كانت كلمة إبراهيم بالشرك الصريح، لما كانت مسوقة لهدم قواعد الشرك، ومقولة لإيضاح الحق لم تسم شركا لفظا ولا معنى لا (2) عقلا ولا حكما فكيف يصح في موسى، إذا كان مقصده بها تبكيت قومه وإقامة الحجة عليهم بسماع المنع من الله تعالى أن تكون باطلة وهي نفس الحق المبين.
مقالة
فموسى الكليم، وإبراهيم الخليل في أحكام الحق سواء وكلمتاهما في أحكام الظاهر ممنوعتان سواء، ولكنهما كانتا مسوقتين لإزهاق الباطل، واثبات الحق فهما في معنى الجواز سواء أم يجوز الفرق بينهما، ولا فرق عند من عرف الحق، فهما نفس الصواب، وحقيقة الهدى، ولا يكاد يصدر مثلهما إلا عن منصب النبوة ولكن ربما يخفى ضياء النهار، على بعض الأبصار ولله در من قال:
وإذا كنت بالمدارج غرا ثم أبصرت حاذقا لا تمار وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأب صار (3)
(1) الأنعام 83
(2) في ب: ولا.
(3) البيتان مشهوران ومتداولان بيد أني لم أتوصل إلى قائلها ووجدت اختلافا في بعض الروايات في لفظتي مدارج وحاذقا في البيت الأول إذا حلت مكانهما كلمتا مدارك ومدركا وجاء البيت على
النحو الآتي: