تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٤٨٥

تفسير سورة الفاتحة

(2)

485

إيَّاكَ نَعْبُدُ (1): هذه من مقابلة رَبِّ الْعَلَمِينَ (2)، وصف ربه بالربوبية وهنا وصف نفسه بالعبودية، وتملق بين يديه أن جعل نفسه من عبيده رجاء أن يكفله ما أهمه وانقطاعه لمولاه لأن من عادة المولى كفاية عبيده، وأن لا يهملهم سدى للشياطين، ولا سيما إن كان بضعفهم (3) عارفا، وفيها سر إخلاص العبادة له، وفيها سر تحقيق العبودية الموجبة للخدمة في مقام الربوبية المدهشة لعظمتها، فلا غرو أن يقول: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4): هذه من مقابلات

6

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (5)، وكأنه لما استقر شرفه الجلال، في مقام إِيَّاكَ نَعْبُدُ (6). ازداد من الاستكانة والخضوع، ومشاهدة الذل والمهانة والحقارة، الموجب لعدم القدرة على تحمل أعباء الطاعة، وميثاق المجاهدة، فلاحت له بعد الشريعة شريعة أخرى أخص من الأولى وهي الشريعة الحقيقية فقال: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (7)، بواو العطف لسر الجمع، أي نستعين بك مع القيام بالعبادة، لا مع إهمال المقام الأول، وفيها سر الإخلاص للتصريح بلفظة إياك نستعين، أي لا نستعين بسواك قطعا، وسر الرجاء الجازم لأن السؤال غير متردد، وسر الإقرار بالعجز من العبد

عن القيام بحق الرب، فإنه لا يستعين إلا من ظهر عجزه فتبين له حزما. الأدب فيما سيأتي من الدعاء، فإنه لم ينطق بطلب لشيء إلا بعد ما

وسر

استعان واستنصر، والتجأ وتضرع، وصرح بالعبودية وأظهر الاستكانة، وفيه

(1) الفاتحة 5

(2) الفاتحة 2

(3) في ب: يضعفهم.

(4) الفاتحة 5

(5) الفاتحة 3

(6) الفاتحة 5

(7) الفاتحة 5