الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٣الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر
323
الرؤية من طريق اللغة، وهو ينقسم أقساماً فيكون نظراً بالقلب، ونظراً بالعين، ونظراً بالانتظار، فالنظر إن كان بالعين، فهو غير الرؤية، الدليل على ذلك أن الواحد منا يقول: نظرت إلى الشيء، فلم أره، فأثبت النظر، ونفى الرؤية. ويقول: نظرت إليه حالاً بعد حال حتى رأيته. فتجعل هذه الغاية والنظر طريقاً إلى الرؤية، كما تقول: أصغيت إلى الشيء، فلم أسمعه. كما أن الإصغاء غير السمع، فكذلك النظر بالعين غير الرؤية، وقد ثبت في اللغة أنهم يصنفون النظر أصنافاً، فيقول أحدهم: نظر إليَّ نظراً منكراً، أو نظر راض، ونظر غضبان، ووردت بذلك الأشعار، فقال الشاعر:
إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني المؤسرِ فهذا دليل على أن النظر غير الرؤية، فمن قال غير هذا، كان عليه إقامة الدليل. ودليل آخر أن الجماعة تخرج ناظرة في طلب الهلال، فيقولون: خرجنا
في نظر الهلال، فما رأيناه، وهذا دليل على أن النظر غير الرؤية.
فإن قال قائل: إن الوجه إذا أُضيف إلى حرف جر لم يقع إلا على الرؤية، فهذا من أعظم حججهم التي يحتجون بها، وأقوى أدلتهم التي يستدلونها، قلنا: يحتاج إلى دليل يؤيد ما قلت ويبيّن الذي، رويت فإن أقمت دليلاً على ذلك، وإلا سقط اعتدالك، وبطل مقالك ويقال له أيضاً: إذا جعلت هذا لك دليلاً على وصفك، فنحن أيضاً نوجدك دليلاً كالذي ذكرته، ونقيم برهاناً من الفرقان كالذي وصفته، فإن كان الوجه إذا أُضيف (إلى) (1) حرف جرّ كان واقعاً على حرف جرّ
على وصفك وادعائك، فقد قال الله في قصة إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ للَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. فحروف الصفات ينوب بعضها عن بعض، فإن كان إبراهيم ع لما وجه وجهه
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب، ص 536.