الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٥الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر
325
فلو كان الباري لا يُرى لحجاب لكان الحجاب أكبر منه، فيلحقه عند هذا صفة الحدث والمخلوقات فتجري عليه الأسماء المحدثات المنتقلات، ووجب أن يكون جسماً؛ لأن الحجاب الساتر بينك وبين المحجوب هو انقطاع ما بينك وبينه للحجاب المضروب، وقد قام الدليل على أنه ليس بجسم، ووقع الاتفاق على أن لا: يحس بفكر ولا وهم، فبطل هذا الوجه.
والوجه الآخر: لو كان أنه لا يرى لآفة بالأبصار، لكان يجب أن يحس لتلك الآفة لرافع المواقع الحادثة فيها والعاهة، فكانت تلك الآفة تمنع من
نظر المرئيات صح أنه لا يُرى بالأبصار، ولا يدرك بالخواطر والأفكار.
فإن قلت: لدقته ولطافته أو لبعد مسافته، لما صوّبك في مقالتك من ذوي العقول، لأن الدقة ضدّها البجل، وهي صفة الأجسام، والله ليس بجسم،
واللطيف كذلك.
فإن قلت: إنه نائي، فقد قلت بمفارقته للخلق ومباينته لهم، وحكمت عليه بالمكان والله بريء من ذلك، تعالى الله ذلك علواً كبيراً. عن
ويقال لهم: إن الله يقول: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تحت الثرى [طه: 7]. وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. أتقولون إنكم ترون من هذه صفته وأنه مرئي لكم!.
فإن قالوا: نعم، يقال لهم: أترونه بهذه المواضع (521) كلها لأنه بكل مكان؟ أم ترونه في موضع دون موضع؟ فلا بد من الجواب.
فإن قالوا: إنهم يرونه في هذه المواضع كلها، فقد حذوه، والله تعالى ليس بمحدود، ولا قائم بمحدود.
وإن قالوا: إنهم يرونه بموضع دون موضع، فقد جزؤوه وبعضوه، والله غير مجزأ ولا متبعض.