الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٦326
الجامع لأخبار الأمة
فإن قالوا: إنه قد صح أنه في غير جهة ولا مكان وهو راء لنا، فكذلك تصح عليه الرؤية منا، وهو في غير جهة ولا مكان قلنا لهم: لا تصح الرؤية على المرئي إلا إذا كان مرئياً، ولما كان الباري رائياً صحت رؤيته عليكم، ولما كنتم أنتم مرئيون لم يصح منكم الرؤية عليه، وأيضاً فإن الإنسان لا يرى إلا ما كان قبالته، ولا يصح إلا من الرأي المحدث إلا من كان في مواجهته، ولا تقع الرؤية، إلا على ما كانت تقع عليه الجهات الست.
فلما كان الباري لا تقع عليه الأمكنة ولا تحويه صروف) (1) الأزمنة، لم يجز أن يكون مرئياً؛ لأن من شروط صحة الرؤية بالنظر أن تكون مع النظر المرئي حكم متى حصل صحت الرؤية بأجمعها، ومتى ارتفع، استحالت، وزال حكمها. كما أن إدراك الشيء من طريق اللمس له حكم متى حصل الإدراك، وهو حصول المجاورة، ومتى ارتفع استحال الإدراك من هذا الوجه وهذا الاعتبار، تعرف طريق العلل، وتغلق الأحكام بالأفعال وثبوت الجدل، فإذا صح ذلك، فقد علمنا أن المرئي إذا صار في جهة المقابلة صح أن الرائي يراه بالنظرة والمعاينة، فإذا خرج من جهة المقابلة، استحال أن يراه؛ لأن الجسم ولون الجسم لا يصح أن يراهما المرئي، إلا أن يحصلا في جهة المقابلة، ويعاينهما، ومتى زالا عن هذه الجهة، لم تصح عليهما الرؤية، فإذا صح هذا الحكم بالشرط في الرؤية بالنظر فمتى استحال هذا الشرط استحال أن نراه بأبصارنا لجاز أن نلمسه بأيدينا، لأن ما وقعت الرؤية عليه وقعت الأيدي اللامسة له فيه. فمن قال غير، هذا كان عليه إقامة الدليل.
فإن قال: أفلستم ترون وجوهكم في المرآة مع ارتفاع المقابلة؟ قلنا له: في
ذلك جوابان
(1) استدراك.
من
النسخة الأصلية ب، ص 538