الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٦336
الجامع لأخبار الأمة
فصل (في التوبة)
قال بعض مخالفينا: إن المؤمن إذا ضيع شيئاً من الواجبات، أو ارتكب شيئاً من الكبائر المكفرات سوى الكفر، ومات على ذلك مصراً غير تائب، فهو بين عفو الله وعقابه، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه، ثم قطع عنه العذاب وأدخله الجنة. ونحن نقول: إن من ركب السيئات وأصرّ على الكبائر المكفرات لا يسمى مؤمناً، ويكون في النار خالداً، بل سماه الكتاب فاسقاً منافقاً، لقوله تعالى: لام أفمن كان مؤمنا كَمَن كَانَ فَاسِقا لا يستوون له [السجدة: 18]. وقال: أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجالية: 21]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاهُ سَمْ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَةٌ مَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٌ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِما أُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [يونس: 27]. فمن قال غير هذا كان عليه إقامة الدليل من سُنَّة متفق عليها أو تنزيل، وإن احتج أحد منهم بقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّنَّا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102]. وعسى من الله واجب. قلنا له: أنت في رقدة من نومك، وغفلة عن مذهبك ودينك، فهذه الآية نزلت في الثلاثة الذين تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفي أبي لبانة لما استشاره بنو قريظة في حكم سعد بن معاذ عليهم، فأشار بيده إلى حلقه أو مى أنه الذبح، فرأى أنه قد خان الله ورسوله، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وندم على ما كان منه، وأقلع وتاب واجتهد. وكذلك الثلاثة الذين تخلفوا، ندموا على تأخرهم ولاموا أنفسهم على تفريطهم وتقصيرهم، ولهم شرح يطول، وقد مرّ ذكره في صدر كتابنا هذا. فأنزل الله فيهم هذه الآية، وأنزل الله فيهم أيضاً: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الثَّوَابُ الرَّحِيمُ) [التوبة: 118]. لم يقع