الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٧الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر
337
القبول منهم إلا بعد متابهم ورجوعهم وندمهم وإقلاعهم، فمن قال غير هذا، فعليه إقامة الدليل.
وإن احتج محتج بقوله عزّ من قائل: (إن تَجْتَنِبُوا كَبَابَرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلا كَرِيمًا} [النساء: 31]. فقد تضمنت الآية تكفير السيئات، ولم تخص سيئة من سيئة، وهذا تنزيل من حكيم حميد، ما قلنا له: إن جميع عصى به العبد ربّه وركب معصيته وخطيئته وذنبه من صغير أو كبير قليل أو كثير، من فتيل أو نقير، فهو من السيئات المحظور عليه (527) فعلها وارتكابها المحرّم عليه إتيانها وعملها، فإن كانت السيئة صغيرة فلا يكفر راكبها إلا بإصرار عليها، وإن كانت كبيرة كفر من حين مواقعته لها، والسيئة التي ذكر الله غفرانها لم يقع الغفران من الله إلا بعد الإقلاع عنها والإنابة إلى الله منها، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النمل: 11]. فهذا دليل على أن السيئة المغفورة لم تكن إلا بعد التوبة. وكذلك قوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجهميم الله [غافر: 7] وقال: {وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ) [الشورى: 25]. وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. وقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ) [النساء: 18]، يعني: أهل الشرك أُولَكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18]. وفي هذا دليل واضح بأن المشرك والموحد في النار يجتمعون، فهذه أدلة لائحة وبراهين نيرة واضحة، تشهد على دحض مقالهم. فمن قال غير هذا، فعليه إقامة الدليل والبرهان من سنة متفق عليها أو قرآن.
وإن احتج بقوله تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا
مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].