الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤١الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر
فصل (في الخلود في الجنة والنار)
341
وقد زعم بعض مخالفينا، وسمعنا ذلك منهم، أن من دخل النار من أهل الإقرار، فإنهم يخرجون منها، ويدخلون في غرفات الجنان الأولياء مع الأبرار، وأنهم يفتخرون على أهل الجنّة الذين لم يدخلوا النار، فيقال لهم: هاتان الداران هما دارا جزاء أم دارا أعمال؟ أعني الجنة والنار. فإن قال: إنهما دارا أعمال، وليس ذلك من قولهم عند المخاصمة والجدال، قلنا لهم: فمتى يكون لهم الجزاء والنيل المتفضل به عليهم والإعطاء؟ وإن قالوا: إنما دار جزاء بسالف أعمالهم، قلنا لهم فإذاً قد حصل لهم بذنوبهم المكفرة جزاء أعمالهم، ووجدوا ما كان لهم من موعود ربهم، فمن الذي يخرجهم من عذابها؟ ومن الذي ينقذهم من أليم عذابها؟ فإن قالوا: إنهم يخرجون منها لأنهم أهل توحيد، وليسوا من ملل أهل الشرك، قلنا لهم: أليس قد وقع الاتفاق منا بأنهما دارا جزاء للأنام؟ وليست مخصوصة لمشرك ولا لموحد مقرّ بالإسلام؟ فإذا رجعتم عن اتفاقكم، وادعيتم بالتخصيص، فأتوا ببرهان قاهر ودليل باهر منصوص. ويقال لهم: أيخرجون بتوبة يظهرونها، أم بغير توبة عن سيئاتهم يشهرونها؟ لأن الغفران لا يكون عن الذنوب التي أجرموها إلا بتوبة يقع الرضى بها عنهم، فإن قالوا إنهم يخرجون بتوبة يعنونها تكون ظاهرة، يبدونها ولا يكتمونها، قلنا لهم أوجدوا على ذلك أدلة تبرهنونها، وإن قالوا: إنهم يخرجون بغير توبة، وإنما خروجهم عطية من الله وفضلاً منه عليهم، قلنا لهم: فدخولهم فيها بأفعالهم التي كانوا في الدنيا يفعلونها بتوبة كانت في الدنيا تابوها، أم بإصرارهم على ذنوبهم التي ارتكبوها، فإن قالوا: دخلوها بغير توبة، قلنا لهم: أليس دخولهم جزاءًا لمعاصيهم؟ فالدليل على فساد أقاويلهم قوله تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَة) [آل عمران: 185]. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة (530) فقد فاز، فهو يدحضها ويبطلها، فإذا