الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٤344
الجامع لأخبار الأمة
الباري عز اسمه بينهم، ولم يخص أحداً دون أحد، وقال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيه نارا وكان ذلك على الله يَسِيرًا﴾ [النساء: 29، 30]. وقال: تأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَنَا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ من اللهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]. فهذا دليل على أن الوعيد يتوجه إلى ذوي الإقرار دون الذين حاربوهم من المشركين أهل الجحود والإنكار. والآية نزلت في أهل بدر خاصة، وحكمها اليوم عام، وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23]. وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مهين﴾ [النساء: 14]. فكل من باشر المعصية وارتكبها، وانتهك المحارم واغتصبها، وانتهب الأموال المحظورة واستلبها كان من أهل الشرك الجاحدين للواجبات ومفترضها أو من أهل التوحيد المقرين بها وبجملتها، فالتخليد حينئذ واجب لمن ارتكبها، والعذاب لا بد لازم لمن احتقبها، كان من أهل الشرك الآتي لعظمائها، أو ذوي الإقرار الراكب لجرائمها، فمن قال غير هذا، كان عليه قيام الأدلة يبرهنها، وحجج قاهرة يوضحها ويبينها.
فإن احتج أحد منهم بقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إلا ما شاء ربك إنَّ رَبَّكَ فَعال لما يُرِيدُ الا الله وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَلِدِينَ فيها ما دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ اه اهود: 105 - 108]. وقال بهذا الاستثناء لا يكون إلا لمن دخل النار من الموحدين لأنا قد اتفقنا أن أهل الشرك مخلدون في النار، قلنا له: إن الله جل وعلا قد أوجب للأشقياء