الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٥الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر
345
جميعاً النار، ولم يخص مشركاً من مضلّ محكوم له بحكم الإقرار، فلا بد أن يكون الاستثناء واقعاً على جميعهم، ولا يجوز أن يقع على بعضهم، دون أن يكون واقعاً على مشركهم وموحدهم، إذ لا دليل في ذلك يستدل به على التمييز بينهم، فإن وجب الخروج لبعضهم، وجب أن يكون لهم جميعاً، وإن وجب التخليد لبعضهم كان ذلك لهم جميعاً، فإن زعموا أن أهل الكبائر من أهل التوحيد مخصوصون بالخروج دون أهل الشرك والجحود، فليفرقوا بين ذلك بدليل يؤيدونه (532) وبرهان حق، ينطق لهم بالذي يدعونه، لأنه إن وجب الخروج لأحد من أهل القبلة، وجب ذلك لغيرهم من فرق المشركين، لا فرق في ذلك عندنا بينهم، إذ لا دليل يوضح لنا تمييزهم منهم، والله وعل يستثني، ولا يكون استثناؤه مبطلاً لوعيده، ولا يختص به من أقر بجملته وتوحيده، وقد استثنى الله في قوله (تعالى) (1): سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى [الأعلى: 7،6]. فلم ينس النبي، ولم يكن استثناؤه مبطلاً لقوله. وقال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ الله امنين له [الفتح: 27]. فقد دخلوا ولم يبطله استثناؤه. وكذلك (قال) (2) في الذين سعدوا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ والأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجدُون﴾ [هود: 108]. فلم نعلم أن أحداً قال: إن أهل الجنة يخرجون من الجنّة بعد أن دخلوها. والاستثناء الذي ذكره الله في هاتين الآيتين إنما هو واقع على أول اليوم لأنهم (في) (3) أوله يحاسبون وفيه يختصمون ويؤخذ من الظالمين للمظلومين، فالاستثناء إنما وقع على ما ذكرناه وبيناه من مضي ساعات يوم الفصل التي لم يقع العذاب فيها على أهل الضلال لما علم الله من اشتغالهم في أول يومهم بما لا بد
(1) إضافة يقتضيها السياق.
(2) استدراك من النسخة الأصلية، ب، ص
0553
(3) وردت في جميع النسخ «فيه والصحيح ما أثبتناه في المتن.