الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٧الباب الأربعون
في ذكر عذاب القبر
347
وقد يوجد عن بعض أصحابنا وعن القرّاء في هذا الاستثناء معنيان: أحدهما: أن يكون استثناء، والمكنون في علمه أنه سيفعل بهم ذلك الفعل، ليدل في ظاهر (الأمر) (1) القول على أنّ (533) المشيئة له (كل)) في حال كقولك: لأضر بنك إلّا أن أرى غير ذلك، ونيّتك ضربه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107]. وقد شاء تخليدهم. والمعنى الآخر أن تكون إلا بمعنى الواو، وبمعنى سوى؛ لأن العرب إذا استثنت شيئاً مع مثله أو ما هو أكثر منه كان معنى إلا بمعنى سوى فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من زيادة الخلود. وكان المعنى خالدين فيها ما كانتا السماوات والأرض دائمتين سوى ما شاء ربك من زيادتهم في التخليد، وذلك مثله في الكلام لك على فلان ألف إلا ألفين. أفلا ترى أنه في المعنى سوى الألفين، وهذا أحبّ القولين من الوجهين، لأن الله وعل لا خلف لوعده ووعيده، والله أعلم.
فأما من زعم أن الوعيد مخصوص في أهل الشرك دون أهل الإقرار من ذوي الإرجاء وغيرهم من أهل الشك، فقد أباح بقوله ارتكاب الجرائم، وانتهاك المحارم، وركوب العظائم؛ لأن العباد إنما يقفون عن ارتكابها، وعن مباشرة أفعالهم خوفاً لما أعد الله لهم من العذاب عليها في مواقعتها، فإذا كانوا إذ ارتكبوها وانتهكوا عظائمها واحتقبوها لا وعيد عليهم فيها ولا تخليد على من أقام وأصرّ عليها، فحينئذ لا فرق بين العامل بالطاعة والقائم بها والراكب للمعاصي المباشر لفعلها، وقد قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وعيد﴾ [ق: 45]. وقال تعالى) (3): {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب، 553. (2) استدراك من النسخة الأصلية ب، 553. (3) إضافة يقتضيها السياق.