كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٩

الباب الأربعون في ذكر عذاب القبر

349

فإذا كانت العرب تفتخر بالصفح والعفو عن الحرام كان الله تبارك وتعالى أولى بالصفة الجميلة وبكل صفة حسنة، قلنا لهم هذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى، وذلك أن العرب إذا عفوا عن الأمر الذي هو أعظم، وعفوا عمّن كان أشدّ عداوة، وتركوا الاقتصاص عمّن قدروا عليه ممن بالغ في عداوتهم، وكان ذنبه فيهم أكبر الذنوب، إن العفو منهم على مثل هذا أحسن في الصفة، والمدح لهم عليه أكبر، وشكرهم عليه أحسن، ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون الله تبارك وتعالى أولى في صفته إن كانت هذه صفة مدح أن يكون يعفو عمن جحده، وأشرك به، وجعل معه ثانياً، وجعله يتخذ الصاحبة والولد، كان العفو عن هؤلاء أحمد والشكر له على ذلك أكبر.

فلما أجمعوا جميعاً لا خلاف بينهم أنه لا يعفو عن أحد من هؤلاء ممن أشرك به وجحده، ولم يؤمن به، ولم يصدّق رسله، علمنا أن المدح ليس لأجل العفو عن الذنب الكبير والصغير، ولا تستوي صفة الخالق والمخلوق. وأيضاً فإن الذي يعفو منا بعد توعده بالعقوبة وعزمه عليها وإرادته بأن يوقعها بفاعلها، إنما يبدو له أن العفو أحسن من إمضاء العقوبة، ويبدو له أن الصلاح في ذلك، ولم يكن علمه في حين توعده، وأراد إمضاءه في الوقت، والله تبارك وتعالى ليس كذلك صفته، لأنه لا يجوز أن يبدو له ما لم يكن يعلمه بالأمس، وحدث له علم الصلاح في العفو، وأيضاً فإنه لا يجوز أن يرى أن الأصلح له أن يعفو؛ لأن الذي يرى أن لا صلح له في العفو بما يفعل ذلك لاجتلاب نفع لنفسه أو دفع ضرر عنها، والله تبارك وتعالى غني عن ذلك. ويقال لهم أيضاً: فإنه (لا يخلو القول) (1) العقول في وعيد أهل الكبائر من أحد وجوه ثلاثة نبينها بالبراهين والأدلّة الظاهرة، فإما أن يكون قال

(1) وردت في جميع النسخ لا يخلق العقول، والصحيح ما أثبتناه في المتن من النسخة الأصلية،

ب، ص 556.

١٬٢٤٨ / ١٬٤٢٩