الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٧الباب السادس في ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم
217
وأما الحارث بن قيس، فإنه أكل سمكاً مملوحاً في الليل، فأخذه عطش شديد، فجعل يشرب من الماء ولا يروى، وكلما تنفس قال: قتلني رب محمد، حتى شرب قربة ماء، فانفتق بطنه، فمات.
وأما الأسود بن عبد يغوث، فإنه انطلق إلى بعض مياه بني كنانة، فجعل يحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وينهاهم عن اتباعه فقال لهم: إن قلتم إن محمداً ساحر صدقتم، وإن قلتم إنه مجنون صدقتم، ومن أخذه، ودفعه إلينا، فله مائة من الإبل. ثم رجع إلى أهله، وقد شوَّه الله خلقه، وسوّد جلده، وصار كالحبشي، فلما أتى أهله، أنكروه، ولم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب، فجعل يقول لهم: أنا الأسود بن عبد يغوث. قالوا: كذبت بل أنت لص، اخرج عنا، فلما طردوه، جعل يطوف في شعاب مكة، ويقول: قتلني ربّ، محمد، فلم يزل كذلك حتى مات. وأما الأسود بن عبد المطلب، فإنه كان له ابن يتجر إلى الشام، وقد خرج إلى الشام، ووعده أن يرجع يوم كذا، وقت كذا، وقاس له المراحل، فأبطأ عليه، فقال لغلامه: اخرج بنا إلى الصحراء، نلتقي ولدي، فقد أبطأ علينا، فخرجا، فقال للغلام: هل ترى شيئاً؟ قال: أرى سواداً، قال: انطلق بنا إليه، فعسى أن يكون ذلك ولدي، فانطلقا إليه، فإذا هي سمرة قد رفعت لهما، وأتى جبريل، فجعل يضرب وجهه بأغصان تلك السمرة، ونادى الأسود: أدركني يا غلام، فإن رب محمد قتلني، فقال الغلام ما أرى أحداً يضربك. فلم يزل
يضربه جبريل، حتى مات.
فأنزل الله: {إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها وَاخَر
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 96،95].
أي يعلمون عقابي في الآخرة، مع عذابي لهم في عاجل الدنيا، وأراح الله
نبيه منهم.