كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

الباب السادس في ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم

233

العلم، إذ سبقت لهم من الله السعادة، وهم من غير قومه، وكذبه قومه وشتموه، وسموه ساحراً، وكاذباً، وشاعراً) (1) ومجنوناً، وكاهناً، واقترحوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يكون له بيت من زخرف، وأن يكون له كنز وجنّة، يأكل منها، وأن يرقى في السماء، فيأتيهم بكتاب يقرأوه، وأن يأتيهم بالله والملائكة قبيلاً. وكم أصاب النبي منهم من الأذى والبلاء، فانظر أيها العاقل بعين بصيرت يرتك، واعلم أنها لا تنفع القرابة، وإنما للمرء ما قُضي عليه وقدر.

ثم انظر فيما لحق النبي من البلاء والأذى من الكفار، أكان ذلك لهوانه على ربه أم كان الله عاجزاً عن دفعهم عن نبيه أن يصلوا إليه بسوء، فلا والله، بل كان الله قوياً عزيزاً، وكان النبي على الله كريماً، وإنما أراد الله ليرفع بذلك درجات (69) نبيه، ويضاعف حسناته، فكذلك ما أصاب المؤمن في دنياه، فلكرامته على ربه، وليكفر بذلك عنه السيئات، وترفع له الدرجات، أو يكون عقوبة لذنب سلف منه، فلا يعاقب عليه في الآخرة، والله أكرم من أن يعاقب على ذنب مرتين، فطوبى لمن عوقب في دنياه على ذنبه، أو يكون ذلك له رفعاً إلى درجات، لم

يبلغها عمله، فقدر له ذلك، ليعظم أجره وثوابه، ويبلغه الدرجات العلى. وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء أشد الناس بلاء في الدنيا، ثم الأمثل فالأمثل. وقيل: إذا أحب الله عبداً زوى، عنه الدنيا، كما يزوي الوالد الشفيق المكاره

عن ولده.

وكذلك قيل:

: ما أصاب الكافر في الدنيا من ثروة وعافية، فإنما ذلك حظه من الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابَا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِتُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُل ذَلِكَ لَمَّا متع الحيوةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33 - 35].

(1) استدراك من النسخة الأصلية ب ص