كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

262

الجامع لأخبار الأمة

قبل

فانظر لنفسك أيها الإنسان، فإنما الدنيا طريق تمرُّ بك على عقبة كأداء، فيستريح فيها المخفون، ويتعب فيها المثقلون، ثم تفضي بك إلى هاتين المنزلتين اللتين مرّ ذكرهما، بما فيهما من النعيم والعذاب الأليم، فلا بد لك من واحدة منهما، فحاول ما دامت فيك المكنة والرأي عندك، والأمر لك، أن يصير الرأي لغيرك، أن يكون إفضاؤك من هذه العقبة إلى دار النعيم، وتفكر في قوله (90) تعالى: {يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدَا» (مريم: 285. والوفد لا يكون إلا ركباناً. {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا» (مريم: (86). فواحد يخرج من قبره، فإذا البراق على رأسه، والحلل بين يديه، فيلبس الحلل، ويضع التاج على رأسه، ويركب والملائكة مطيفون به، يزفونه إلى جنات النعيم، لا يترك من عزّه وكرمه على الله أن يمشي إلى الجنة على قدميه، وآخر يخرج من قبره، وإذا الزبانية قد أحاطت به وألبسته السلاسل والأغلال، والأنكال والسرابيل من القطران والعذاب والخزي والهوان وقد أحاط به، ولا يُخلّى أن يمشي على قدميه من هوانه على ربه، بل يُسحب على وجهه إلى سواء الجحيم، فيحل به العذاب الأليم، نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه، الذي لا طاقة لنا به. ثم الطاقة الكبرى والمصيبة العظمى الخلود في النار، إذ لو كان العذاب منقطعاً لكان الأمر أيسر، ولكن الشأن في الخلود.

قلتُ: فأي (قلب) (1) يحتمل هذا؟! وأي نفس تصير على هذا؟ والله قد هدانا الطريق، وبين لنا، وأعذر وأنذر، فلا حجّة لنا بعد ذلك، {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (ن) إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِما كَفُورًا الله [الإنسان: 1 - 3] نسأل الله أن يهدينا لمرضاته، ويوفقنا لطاعته، ويختم بالخير أعمالنا، ويسدد الأمور أحوالنا، إنه سميع مجيب.

في جميع

(1) استدراك من النسخة الأصلية ب، ص 88.