كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

274

الجامع لأخبار الأمة

وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن النبي في الهجرة، وهو يقول (96) له: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً».

ثم إن أبا بكر خرج من مكة، يريد أرض الحبشة مهاجراً، حتى إذا بلغ ترك العماد (1)، لقي ابن الدعنّة (2)، وهو سيد القادة، فقال له: إلى أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، أريد أن أسيح في الأرض، أعبد ربي، فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع، فاعبد ربك ببلدك. فرجع أبو بكر، وارتحل معه ابن الدغنة فطاف عشيته في أشراف قريش، فقال: إن أبا بكر مثله لا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ووفي ابن الدغنة لأبي بكر بالذمة، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يشتغل بغير صلاته وقراءته، ثم بدا له، فبنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيزدحمن عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون، وينظرون إليه، وكان له، بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ، فغاظ من ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى أبي الدغنّة، وقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في فقد تجاوز ذلك، وبنى مسجداً بفناء، داره فأعلن فيه بالصلاة والقراءة،

بيته

وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على عبادة ربه سراً، فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فاسأله، فليرد عليك جوارك، فإنا كرهنا أن نخفرك في ذمتك، ولسنا مقرين أبا بكر على الاستعلان في بلدنا.

عبد الله

(1) ترك العماد: موضع بعينه قرب مكة في ديار بني سليم، يسكنه بنو صبيحة. انظر: الحموي، ياقوت بن معجم البلدان، ج 4، ص 149. (2) ابن الدغنة: هو أخو بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة تحالفوا جميعاً، فسموا الأحابيش (لأنهم تحالفوا في أسفل مكة يقال له وادي الأحبش) وكان ابن الدغنة سيد الأحابيش. انظر: ابن هشام عبد الملك بن هشام السيرة النبوية، ج 2، ص 12.