الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨١الباب التاسع في ذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة
281
إلى الغار، ثم خرج، وصعد فوق سطحه، فجعل يرزن برجليه، يستوثق منه، ثم نزل، ودخل هو والنبي، فكان أبو بكر كلما رأى حجراً في الغار، ألقمه قطعة من ثوبه حتى قطع جميع ثوبه، وبقي حجر واحد، فسده بعقبه، وكان فيه حية، فلسعته، فرقاها له النبي الله.
(1)
فلما أصبحا، قال له النبي): أين ثوبك يا أبا بكر؟! فأخبره بما صنع،
عليه
وسلامه: اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم
الله فقال النبي صلوات القيامة، فأوحى الله إليه إن الله قد استجاب دعائك.
ثم دعا النبي شجرة كانت قريباً من الغار على باب الغار، فبعث الله حمامتين، فباضتا على باب الغار، ونسج العنكبوت على باب الغار. وقيل: لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن قتل العنكبوت، وقال: هي جند من جنود الله. وجعل الجزاء في الحمام.
وبات المشركون يحرسون علياً على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، ثاروا عليه، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتفوا أثره، حتى أتوا إلى الغار، فظنوه قديماً، لما رأوا عليه من نسج العنكبوت، وبيض الحمام، ونبت الشجرة، فقالوا: إنه لو دخل الغار لانكسر بيض الحمام، ولا نقشع نسج العنكبوت، وأثره قد انتهى إلى هاهنا فإما أنه ساخ في الأرض، أو صعد إلى السماء، وبقوا متحيّرين، لا يدرون أين ذهب.
وأمر أبو جهل منادياً ينادي في مكة أعلاها وأسفلها: من جاء بمحمد وصاحبه، أو دَلَّ عليهما، أو جاء بأحدهما، فله مائة من الإبل. فأقبل فتيان من قريش يطلبونهما، فقال أبو بكر للنبي لو نظر أحد منهم إلى قدمه لرآنا، فقال النبي يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، فأنزل الله (99): {إِلَّا تَنصُرُوهُ
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب، ص 96.