الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥الباب التاسع في ذكر هجرة النبي، من مكة إلى المدينة
285
من
فنظر رسول الله، في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاه يا أم معبد؟ فقالت: شاه خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها لبناً، فاحلبها. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسح بيده الكريمة على ضرعها، وسمّى الله، ودعا لها الله في شاتها، فتفاحت عليه، ودرّت، واجتزت ودعا بإناء تربض الرهط، أي تروي الجماعة، فحلب فيها ثجاً حتى ملأها، ثم سقى أم معبد حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب هو آخرهم، ثم حلب فيه ثانياً حتى امتلأ، وتركه لها، وبايعها على الإسلام،
وارتحلوا عنها.
فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أغناماً عجافاً، تساوكن (101) هزالاً، فلما رأى أبو معبد اللبن، عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاه عازب حيال، ولا حلوبة بالبيت؟ قالت: لا والله، مربنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: (رأيت) (1) رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، ربعة، بعيد ما بين المنكبين، أبيض في اللون، مشرب بحمرة، يبلغ شعره شحمة أذنيه، لم يبلغ الشيب في رأسه ولحيته، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة التمام، معتدل، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما، وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب حلو المنطق واسع الجبين، أزج الحواجب في غير قرن، أقنى الأنف سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، بين كتفيه خاتم النبوة، يقول واصفه لم أرَ قبله ولا بعده، له رفقاء يحفون به، إن، قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محسود، لا عابس
ولا منفر.
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب ص
98