الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧الباب العاشر في ذكر قدوم النبي، إلى المدينة
297
لها آجي، وكان أبي دهقان (1) قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، أجلسني في بيته، كما تجلس الجارية، واجتهدت في المجوسية ()، حتى كنت قاطن النار (3) التي يوقدونها، حتى لا أتركها تخبو ساعة، وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فأرسلني في ضيعته، وقال لي: لا تحتبس عليَّ، فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم، وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمرهم (106) فوالله ما تركتهم، حتى غربت الشمس، ولم آتِ الضيعة، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ فقالوا: بالشام، فرجعت إلى أبي، فأخبرته الخبر، فقال: يا بني، ليس في ذلك الدين خير، ودينك ودين آبائك خير منه. فقلت: كلا، إنه خير من ديننا، فخافني، وقيدني، وحبسني
في بيته، فبعثت إلى النصارى، إذا قدم عليهم ركب من الشام، فليخبروني.
فلما قدم عليهم ركب الشام من النصارى، أرسلوا إليَّ، فلما قضى الركب حوائجهم، وأرادوا الرجوع، ألقيت الحديد من رجلي، وخرجت معهم، حتى قدمت الشام، فسألت عن أفاضل أهل هذا الدين، فدللت على رجل في كنيسة، فجئته، وقلت له: إني رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك، أخدمك، وأتعلم منك، وأصلّي معك. فقال: إدخل، فدخلت معهم.
(1) دهقان: الدهقان شيخ القرية العارف بالفلاحة وما يصلح بالأرض، يُلجأ إليه في معرفة ذلك. انظر: ابن هشام عبد الملك بن هشام السيرة النبوية، ج 1، ص 288.
الخلاص.
(2) المجوسية: عقيدة فارس القديمة ودينها الأول، ويقول المجوس بأصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر والنفع والضرر والصلاح والفساد، يسمون أحدهما النور والثاني الظلمة، وبالفارسية: يزدان وأهر من، ولهم في ذلك تفصيل، مذهب وسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين إحداهما: بيان سبب النور بالظلمة، والثانية سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ وزعموا أن الأصلين لا يجوز أن يكونا قديمين، أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة، ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها أمن النور حدثت والنور لا يحدث شرّاً جزئياً، فكيف يحدث أصل الشر، أم شيء آخر؟ ولا شيء يشترك النور في الإحداث والقدم. وبهذا يظهر خيط المجوس. انظر: الشهرستاني، عبد الكريم، والظاهري علي بن محمد الفصل في الملل والنحل، ج 2، ص 72 - 73. (3) قاطن النار: خادمها الذي يخدمها ويمنعها من أن تخبو لتعظيمهم إياها. انظر: ابن هشام، عبد الملك بن هشام السيرة النبوية، ج 1، ص 229.