الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠320
الجامع لأخبار الأمة
ثم قال: «أيها الناس، أشيروا عليّ، وإنما يريد بذلك الأنصار، لأنهم قالوا
يوم
العقبة: إنا
براء
من ذمامك،
حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت دارنا، فأنت
في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا. فكان يخاف ألا ترى الأنصار نصرته، إلا ممن دهمه المدينة، وأن لا يسير بهم إلى عدوه، فقال سعد بن معاذ (1): فكأنك يا رسول الله تريدنا؟ فقال: أجل، قال: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك عهودنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو خضت هذا البحر لخضناه معك ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لذوو صدق عند اللقاء، وذوو صبر عند الحرب، ولعل الله يريك ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى.
فسر رسول الله بقول سعد، ثم قال: «سيروا على بركة الله وابشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.
ثم سار رسول الله، حتى بلغ قريباً من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه، حتى وقفا على شيخ من العرب، فسألاه عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تعرفاني (117) من أنتما، فقال النبي إذا أخبرتنا أخبرناك، قال الشيخ: إنه قد بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فإنهم اليوم في
(1) سعد بن معاذ: سعد بن معاذ النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري، صحابي من الأبطال. من أهل المدينة، كانت له سيادة الأوس، وحمل لواءهم يوم بدر، وشهد أحداً، فكان ممن ثبت فيها. وكان من أطول الناس وأعظمهم جسماً، ورمي بسهم يوم الخندق، فمات من أثر جراحه. ودفن بالقيع، عمره سبع وثلاثون سنة، وحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذه. انظر: ابن الأثير علي بن محمد، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 2، ص 461 - 464. وانظر: الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج 3، ص 88.