الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩الباب الثاني عشر في ذكر الأمور الحادثة في السنة الثالثة من الهجرة
359
ثم إن رسول الله انصرف إلى المدينة كئيباً حزيناً، وجعلت المرأة تجيء وأبوها أو ابنها مقتولون، وهي تلتذم أي تضطرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من أثمارها، وتسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي على قناديل من ذهب، معلقة تحت العرش.
فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم (134) ورأوا ما أعدَّ الله لهم من الكرامة، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله بنا، كي يرغبوا في الجهاد، ولا ينكلوا عنه، قال الله أنا مخبرهم عنكم، ففرحوا بذلك واستبشروا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. الآيات. فهم أحياء عند ربهم ببقاء الذكر كما قيل شعراً:
موت التقي حياة لا فناء لها قدمات قوم وهم في الناس أحياء وقيل: سمّاهم أحياء، لأنه يكتب لهم ثواب كل غزوة، ويُشركون في فضل كل جهاد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى، ولا تأكله الأرض، وقيل: أربعة لا تبلى أجسامهم الأنبياء، والعلماء، والشهداء، وأئمة العدل. وقيل: خرّب السيل قبر شهيدين من شهداء أُحد، فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، ووضع يده على جرحه، فرفعت عن الجرح، ثم أرسلت، فعادت كما كانت. وكان ما بين دفنهما، إلى أن حفر عنهما السيل ست وأربعون سنة.
وقيل: إن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد، وبلغوا الروحاء، ندموا عن انصرافهم عن المسلمين، وتلاوموا، وقالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتهم، فهموا بالانصراف، فبلغ ذلك النبي، فأراد أن يرهب