الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦56
الجامع لأخبار الأمة
الظهر، فكشف النبي ظهره، فدنا منه عكاشة، فانتهره المسلمون، وقالوا: أما تستحي؟ تقتص من رسول الله! فقال النبي: «مه، دعوه، فإن قصاص الدنيا أهون من القصاص في الآخرة». فقرب عكاشة من النبي، وقد كشف النبي ثوبه عن جسده، وبطنه يتلألأ نوراً، فمسح عكاشة بطن النبي بيده، وقال: يا رسول الله، أنت في حلّ مما أصبت مني، وإنما أردت هذا لأني سمعتك تقول: من مس جسدي لم تمسه نار. فقال النبي فاز بها عكاشة من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عكاشة».
ثم إن النبي اشتد به المرض، فكان يُطاف به محمولاً على سريره على نسائه، حتى رضين كلهن على أن يكون في بيت عائشة لها.
قال أبو سعيد الخدري: جئت إلى رسول الله، وإذا عليه صالب من
الله،
الحمى، فما تكاد تقرّ يد أحدنا على جسده من شدّة الحمى، فجعلنا نسبح ا فقال النبي: ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، فكما يشتد علينا البلاء، فكذلك يضاعف لنا الأجر.
ولما رأت الأنصار أن النبي يزداد ثقلاً، طافوا بالمسجد، فدخل العباس على النبي وأعلمه بإشفاق الأنصار، ثم دخل الفضل، فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل علي، فأعلمه بمثل ذلك، (206) فقال لهم: «ما يقولون؟». قالوا: يقولون نخشى أن تموت». فثار النبي، متوكاً على الفضل، وعلي والعباس، قدامهم وهو يخط برجليه حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «يا أيها الناس، بلغني عنكم تخافون علي الموت، كأنه استنكار منكم للموت، وما تذكرون من موت نبيكم، ألم أنع إليكم وتنعى إليكم أنفسكم؟ هل أخلّد (1) نبي قبلي فيمن بُعث إليهم، فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق
(1) وفي نسخة دار الكتب الظاهرية (أُخلّد).