كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩

الباب العشرون في ذكر الأمور الحادثة في السنة الحادية عشرة من الهجرة

59

قالت عائشة: ما رأيت أحدًا اشتد عليه الوجع أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت عائشة تقول: كنت إذا رأيت أحداً في النزع استيسر ما أراه لشدّة ما رأيته أصاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصلي بالناس في مدة مرضه، وإنما انقطع ثلاثة أيام، وقيل: سبع عشرة صلاة، فلما أذن للصلاة، وهي أول ما امتنع عن الصلاة فيها بالناس، قال: «امروا أبا بكر يصلي بالناس، فخرج بلال ويده على أم رأسه وهو ينادي: واغوثاه، وانقطاع رجاه، وانكسار ظهراه، يا ليتني لم تلدني أمي، وإذا ولدتني لم أشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، ودخل المسجد، وقال: (208) يا أبا بكر، إن رسول الله يأمرك أن تتقدمه تصلي بالناس. فتقدم أبو بكر به، وكان رجلاً رقيق القلب، فلما نظر إلى خلو المكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يتمالك، وخرّ مغشياً عليه، فضجّ المسلمون بالبكاء والنحيب، فسمع النبي أصواتهم،

قال: «يا فاطمة ما هذا البكاء؟ قالت: يا رسول الله ضخ المسلمون لفقدك. فدعا بعلي وابن عباس، واتكأ عليهما، وخرج، فصلى بالناس، ثم قال: يا معشر المسلمين، أنتم في وداع الله (وكنفه) (1)، والله خليفتي عليكم، أوصيكم بتقوى الله وحفظ طاعته، فإني مفارق الدنيا».

وروي أن النبي كان إذا أصابه مرض دعا الله بالشفاء فشفي، ولما مرض المرض الذي مات فيه، لم يدع الله لنفسه الشفاء، وكان يعاقب نفسه على كراهية الموت، ويقول: «ما لك يا نفس تلوذين عن الموت كل ملاذ».

للعباس:

وقيل: لما اشتد المرض بالنبي، خلا علي والعباس، فقال علي إني يخيل إلي أني أعرف وجوه بني عبد المطلب، وإني أخاف أن لا يقوم رسول الله من مرضه فاذهب بنا إليه فلنسأله عن هذا الأمر إن كان إلينا علمنا ذلك، وإن لم يكن إلينا أمرنا أبرّ الناس يعطوناها. قال: فلا نسأله أبداً أبداً.

(1) استدراك من النسخة الأصلية ب ص

207