الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١١الباب الثالث والعشرون في ذكر خلافة أبي بكر الصديق الله
111
ثم نظروا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يروا أفضل من أبي بكر (رضي الله عنه) (1)، وقالوا: من أمنه نبينا على ديننا فنحن أحق وأجدر أن نأمنه على ديننا ودمائنا. ولم يفعلوا ذلك إلا اجتهاداً، فوفقهم ا الله، وجمع كلمتهم، وألف شملهم، فقدموه إماماً على طاعة الله وطاعة رسوله، ولم يخالفه أحد، وكان لذلك أهلاً.
وحدث أبو النتاج مولى أبي عبيدة عامر بن الجراح، قال: سمعت أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر (الصديق) (3) الله، ولحظ بعين الهيبة والوقار بين المهاجرين والأنصار وإن كان لم يزل كذلك، بلغه عن علي بن أبي طالب تلكؤ وشماس وتهمهم ونفاس فكره أن يتمادى الحال، فأرسلني إليه بهذه الرسالة على لسان عمر بن الخطاب، وهي هذه: «لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر بعيد محبس، ليس لأحد فيه ملمس ولا مغمس، ولم يستنزل لك قراباً، ولم تحرم حكيماً قولاً، ولسنا في كسروية كسرى، ولا قيصرية قيصر، بأنك الآخذ أن فارس وأبناء الأصفر، قوم، جعلهم الله حرزاً لسيوفنا، وحرزاً لرماحنا، ومرعى لطعاننا، وتبعاً لسلطاننا، بل نحن قوم في نور نبوة وضياء رسالة، وثمر حكمة، وأثر رحمة، وعنوان نعمة، وظل عصمة وكرامة، ملّة. بين مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الفتق والرتق لها من الله أب أبي، وساعد قوي، ويد ناصرة، وعين ناظرة ودعوة ظاهرة.
أمة هادية
أتظن ظناً أن أبا بكر وثب على هذا الأمر متغلباً على الأمة، خادعاً لها، ومسلطاً عليها، ومفسداً لأحوالها؟ أتراه امتلح أحلامها، وأزاغ أبصارها، وأحل عقودها، وأحال عقولها، واستل من صدورها حميتها، وانتزع من أكبادها عصبيتها، (234) وانتكب، رشاها وأنصب ماءها، وأضلّها عن هداها، وساقها
(1) استدراك من النسخة الأصلية ب ص 1 (2) استدراك من النسخة الأصلية ب ص
231
231