الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٥الباب الثالث والعشرون في ذكر خلافة أبي بكر الصديق له
115
يستولي علي دافع، فإذا قد أفعم الوادي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحباً بما ساء أحداً من المسلمين، وسرّني، وفي النفس كلام، لولا سابق علم، وسالف عهد، وشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت الجنة بأخمصي وقدمي، لكنني ملجم إلى أن ألقى ربي وعنده أحتسب ما نزل بي وأنا غاد
إلى جماعتكم، ومبايع لصاحبكم، وصابر على ما ساءني وسركم، فيقضي أمراً كان مفعولاً.
الله
قال أبو عبيدة: فسرت إلى أبي بكر، فنصصت عليه القول على غره، ولم أختزل شيئاً من ذلك من حلوه ومره. وبكّر هو غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ، قام (علي))، فخرق الجماعة إلى أبي بكر فبايعه، وقال خيراً، ووصف جميلاً، وجلس زمناً، واستأذن للقيام فقال أبو بكر: إن أمة أنت فيها لمرحومة، وإن عصابة أنت فيها لمعصومة، ولقد أصبحت عزيزاً علينا، كريماً لدينا، نخاف إذا سخطت، ونرجو إذا رضيت، ولقد حط الله عن ظهرك ما أثقل به کاهلي، وما أسعد من نظر الله إليه بالكفاية، وإنا إليك لمحتاجون، وبفضلك عالمون، وإلى الله في جميع الأمور راغبون.
ثم نهض، فشيعه عمر الله عليه تكرمة له، واستنثاراً لما عنده، فقال له علي: والله ما قعدت عن صاحبكم كارهاً، ولا أتيته، فرقاً، فلا أقول ما أقول تعلة، وإني لأعرف مسمى طرفي، ومخطي قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي، ولكني أزمت على نفسي ثقة بالله وعمل في الإدالة في الدنيا والآخرة. فقال عمر: كفكف غربك، واستوقف سربك، ودع برحاها، والدلو برشاها، فإننا من خلفها ووراها، إن قدمنا أورينا، وإن منحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا، وإن نضحنا أرنينا، فلقد سمعت أماثيلك التي لغوت بها من صدر قد تآكله الجوى، ولو
(1) إضافة من النسخة د، ورقة 109.