الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٧الباب السادس والعشرون في ذكر خلافة علي بن أبي طالب وما جرى فيها من الفتن
187
ثم إن علياً جعل يكاتب معاوية سراً، ومعاوية يكاتب علياً سراً من دون المسلمين (277)، فكتب علي إلى معاوية من علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. فكتب معاوية: لو علمت أنك أمير المؤمنين لم أقاتلك، فامح اسم الإمارة، ونتكاتب بالآباء. ففعل علي ذلك.
فلما
بلغ المسلمين ذلك، قالوا لعلي: ما حملك على أن تخلع نفسك من اسم سماك به المسلمون؟ ألست أمير المؤمنين، ومعاوية أمير الكافرين؟ فتب عما صنعت، فتاب من ذلك.
ثم إن معاوية جعل يكاتبه سراً في تحكيم الحكمين، حتى رضي بذلك، فاختار من جنده أبا موسى الأشعري، واختار معاوية عمرو بن العاص، شانئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن عمراً هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسبعين بيتاً من الشعر. فقال: «اللهم إني لا أحسن الشعر، ولا ينبغي لي، فالعنه بكل بيت لعنة». فرضي علي بحكومته، وترك حكم كتاب الله، وهو لئن كانت الحكومة عدلاً وصواباً، لقد هلك علي بسفكه الدماء قبلها، وكان معاوية أحق بالعدل منه، لأنه الداعي إليها، ولئن كانت الحكومة خطأ وضلالاً، لقد هلك علي بدخوله فيها، فبأي الأمرين كان، فما لعلي مخرج.
6
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «سيكون في أمتي حكمان ضالان مضلان، يضلان من اتبعهما».
فلما علم بذلك المسلمون، وتحققوا منه ذلك، فارقوه، وخرجوا منه محكمين الله تعالى، وهم سيارة الله في الأرض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فخرجوا من عنده ونزلوا أرضاً من الكوفة، يقال لها حروراء)،
(1) حروراء: هي قرية بظاهر الكوفة، وقيل موضع على ميلين منها نزل به المحكمة الذين فارقوا علي بن أبي طالب، فنسبوا إليها. وسمّوا الحرورية. انظر: الحموي؛ ياقوت بن عبد الله. البلدان، ج، ص 245.
معجم