الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٧الباب السابع والعشرون في ذكر جواب عبد الله بن إباض لعبد الملك بن مروان
227
ففزع علي من القتل، وأظهر الفراء على الله وعلى رسوله، بتكذيب لأصحابه، إذ أعيته الحجة، من كتاب الله، فأخذ يسكن أصحابه بالكذب، فقال: لولا أن تنظروا لحدثكم بالذي جعل لكم من المخرج على لسان نبيه، إذ قال: «سيخرج من بعدي قوم صعاب شأنهم، فصار شأنهم يمرقون من الدين كمرق السهم من الرمية»، ويخبرهم أن في قتلاهم شيطان، يعني رجلاً من المسلمين، كان قد عرف نسكه وورعه من قبل حدثه، وقد كان قد علم علم ثديه، وإنما كان رجلاً من أهل البادية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فحل الإبل قطع يده فخرج مع المسلمين، يعرفون نسکه وورعه، إذ لم يجد على المسلمين حجة من كتاب الله يذكره، ولا حق تركوه، يصف ذلك، ويعيبه عليهم، ولا باطلاً دعوه إليه، فينكر ذلك عليهم، ويفارقهم، ولم يسمع الناس شيطان قد قتل على الحق، فلما تذكر من ثدي الرجل الذي ذكره، قال له ابنه: يا أبت ذلك مولى ثوملة، من أصحاب الرسول، قال: اسكت يا بني إن الجواب خدعة، ففتح لأصحابه أبواب الكذب، فاتخذوها خلقاً، وكثيراً بالفراء، فاتخذوها ديناً، وفتح لهم ما لا يُسدّ فتقه أحداً أبداً، فازدادوا به مأثماً.
ثم أراه الله ما كره في الحكمين فخلعوه، وبرئوا منه، وفارقوه، وخلعوه، فلا إلى الله، ولا إلى كتابه، أو أولاه الله (301) دينه رضى، ولا على ما مضى عليه أولياء الله صبر، ولا الحكمان، تولياه ولا رضيا به، ولا جعلا له في الأمر نصيباً، فانطلق إلى الله بدماء المسلمين إذ زاجروه، وأمروه أن يحكم الله وكتابه، وحرمه الله رضى الحكمين عنه، فهو مخلوع عند الحكمين، ومخلوع عند حكم الله وكتابه، فلم يتق الله فيما أمر، ولم يف للحكمين بما جعل لهما من العهد، إنه خلعهما، وبرئ منهما، ثم قتله الله شاكاً مرتاباً، بعد بيعة الضلال التي اتخذها لنفسه، بايع الناس الله على أن يسالموا من سالم، ويحاربوا من حارب.
وبايع معاوية على مثلها أصحابه على ما أحببتم وكرهتم، وهاتان بيعتان الله وحده، وليس لأحد دونه كانتا بمعنى ضلال اجتمع عليهما الفريقان كلاهما.