الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٩الباب الثلاثون في ذكر الدولة الأموية والدولة العباسية
369
وتوفي يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة إثنتين وثلاثين ومائتين، وكانت ولايته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام، وكان يذهب إلى مذهب المأمون، وكان يشغل نفسه (362) بامتحان الناس في الدين فأفسد قلوبهم، وكان يعاقب من امتنع عن القول بخلق القرآن، وكان له وزير يقال له: أحمد بن أبي داود (1)، يناظر الفقهاء والعلماء في خلق القرآن، وقد سعى في حبسهم وتنكيلهم وسفك دمائهم وإخراجهم من أوطانهم، حتى أوتي بشيخ من أهل أذنة من الشام مقيداً من أجل محنة، وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فلما رآه الخليفة استحى منه، ورق له، فما زال يدنيه ويقربه منه حتى قرب الشيخ، فسلم على الخليفة، فأحسن، ودعا، فأبلغ وقال فأوجز، ثم قال له الخليفة: ناظر ابن أبي داود فيما يناظرك إليه. قال: إنه يعجز ويضعف عن المناظرة، فغضب الخليفة، وصار مكان الرقة غضباً، فلما رأى الشيخ غضب الخليفة، قال له: هون ما بك، وأذن لابن أبي داود في المناظرة واحفظ عليه وعليَّ ما نقول. فقال الخليفة: ما دعوتك إلا للمناظرة. فقال الشيخ يا أحمد أسألك عن مقالتك هذه أهي واجبة في الدين، فلا يكمل الدين لأحد حتى يقول بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الرسول حين بعثه الله رسولاً لعباده، هل
داخلة
ستر عليهم شيئاً مما أمر الله به في أمر دينهم؟ قال: لا. قال الشيخ: أفدعا رسول الله الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي داود. فقال له الشيخ تكلم، فسكت.
(1) أحمد بن أبي داود (160 - 240 هـ / 777 - 854 م: أحمد بن أبي داود بن جرير بن مالك الإيادي أبو عبد الله أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ورأس فتنة القول بخلق القرآن. قدم به أبوه وهو حدث من قنسرين إلى دمشق، فنشأ فيها، ونبغ، ومنها رحل إلى العراق. وقيل: ولد بالبصرة. كان عارفاً بالأنساب، شديد الدهاء، اتصل بالمأمون، فلما قرب موته أوصى به أخاه المعتصم، فجعله قاضي قضاته، وجعل يشيره في أمور الدولة كلها. ولما مات المعتصم اعتمد الواثق على رأيه. ومات الواثق راضياً عنه. وتولى المتوكل، ففلج ابن أبي داود في أول خلافته، وتوفي مفلوجاً ببغداد. كان جهمياً بغيضاً، حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن انظر الزركلي خير الدين: الأعلام، ج 1، ص 124.