الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٧الباب الحادي والثلاثون في ذكر الأئمة الذين باعوا أنفسهم لله في إنكار المنكر
397
ثم خرج هو وأصحابه في بيت بني تميم، فدعوا ربهم، ورغبوا إليه، إن كان راضياً فيما يريدون أن يجعل لهم علامة فانشق سقف البيت الذي هم فيه، حتى نظروا إلى السماء، ثم التأم السقف كما كان، فخرج أبو بلال في أربعين رجلاً لا يدعون هجرة ولا ينتحلونها، ولا يخيفون آمناً، ولا يغنمون مالاً، ولا يسبون ذرية، ولا ينزلون أهل القبلة منزلة عبدة الأوثان، ولم يخرجوا النساء ولا العبيد، إلا أن امرأة كانت مشهورة بالجمال، وكان قد طلبها مع عبيد الله بن زياد، لعنه الله، فخافت على نفسها أن يبطش بها، فخرجت مع أبي بلال هاربة ببنيها، حتى بلغوا الأهواز توفيت بها.
وكان خروجهم مستخفين في جيش بعثه عبيد الله، فقال أبو بلال: تداعوا بالبغلة الشهباء. ثم إنهم انسلّوا من الجيش حتى نزلوا بآسك (1) من قرى الأهواز، وكان أبو بلال حصد من. غلة ماله سنة خروجهم مائة ألف دينار، فلما علم بهم عبيد الله بعث إليهم ألفي رجل، وأمر عليهم رجلاً يقال له: مسلم، فلما التقوا ناشدهم الله أبو بلال، فقال: نذكركم الله في دمائنا، فقد علمتم ما انتهك منا وما نالنا من المناكر حين ادعينا الإسلام، وانتحلنا ملة إبراهيم، وقد علمتم قول الله وعجل، حيث يقول: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]. فأبوا إلا القتال، فقاتلهم أبو بلال بمن معه، فهزمهم بإذن الله، وفي ذلك يقول الأعشى (2) أخو بني تميم شعراً (3):
(1) آسك: أو جاسك، وهي جزيرة كبيرة بين جزيرة قيس (وهي المعروفة بكيش) وعُمان قبالة مدينة هرمز. انظر: الحموي، ياقوت بن عبد الله معجم البلدان، ج 2، ص) (2) الأعشى: عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم الهمذاني: شاعر اليمانيين بالكوفة، وفارسهم في عصره، ويعد من شعراء الدولة الأموية. كان أحد الفقهاء القراء، وقال الشعر فعرف به، وكان من الغزاة أيام الحجاج غزا الديلم وله شعر كثير في وصف بلادهم ووقائع المسلمين معهم. ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث انحاز الأعشى إليه، واستولى على سجستان معه، وقاتل رجال الحجاج الثقفي، ثم جيء به إلى الحجاج أسيراً بعد مقتل ابن الأشعث، فأمر به الحجاج، فضربت عنقه سنة 83 هـ. وأخباره كثيرة. انظر الزركلي، خير الدين الأعلام، ج 3، ص 312. وانظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد: أعلام النبلاء، ج 4، ص 185. (3) ذكر الإزكوي أن الأبيات للأعشى، ولدى العودة إلى ديوانه تبين أنها غير موجودة فيه، وأشار صلاح =
سير