الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨الجامع لأخبار الأمة
ظاهر الدم صحيح اللون، وجئتني كأنما نشرت من قبر». قال البربري يا رسول الله بتُ بهم شديد. قال له: «وما الذي أهمّك؟» قال: تردد بصرك بي بالأمس، فخفت أن تكون نزلت في آية من الله وعجل. قال له النبي: «لا يحزنك ذلك، إنما تردد بصري فيك بالأمس من أجل جبرائيل، جاءني وقال لي:
الله بعد
خلقه، نشأ
يا محمد، أوصيك بتقوى الله وبالبربر. فقلت: وأي البربر؟ قال: قوم هذا، وأشار إليك، فنظرت إليك، ثم قلت لجبريل ما شأنهم؟ قال: قوم يحيون دين إذ يموت، ويجددونه بعد إذ يبلى. وقال: يا محمد دينا الله خلق من بالحجاز، وأصله بالمدينة، وخلقه ضعيفة، ثم ينميه وينشيه حتى يعلو ويعظم، ويثمر كما يثمر الشجر، ثم يقع، وإنما يقع رأس دين الله بالمغرب، والشيء إذا وقع لم يرفع من وسطه، وإنما يرفع من عند رأسه».
وبلغنا أن عمر بن الخطاب الله عنه، قدم عليه قوم من البربر من لواتة، أرسلهم إليه عمرو بن العاص، وأرسل معهم ترجماناً يترجم كلامهم إن سألهم عمر عن شيء، فقال لهم عمر ما لكم محلقو الرؤوس واللحى؟ فقالوا: شعر نبت على الكفر، فأوجبنا أن نبدل شعراً في الإسلام. فقال لهم هل لكم مدائن تسكنونها؟ قالوا: لا. قال: هل لكم حصون تتحصنون فيها؟ قالوا: لا. قال: هل لكم أسواق تتبايعون فيها؟ قالوا: لا. فبكى عمر لها الله. فقال له جلساؤه وما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين حين انهزم المسلمون، ونظر
(1) يوم حنين: نسبة إلى مكان قريب من مكة، سمي بحنين بن قانية بن مهلائيل. وقال السهلي: وأظنه من العماليق. وقيل: هو واد قبل الطائف. وقيل: واد بجنب ذي المجاز. وقال الواقدي: بينه وبين مكة ثلاث ليال. وقيل: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً. وهو يُذكِّر ويؤنث، فإن قصدت به البلد ذكرته وصرفته، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه. وفي هذا الموقع كانت غزوة حنين التي وقعت في شهر شوال سنة ثمان للهجرة، عندما فكرت هوازن بغزو الرسول ومكة قبل أن يغزوهم. فلما بلغه الخبر، أجمع الرسول صلى الله عليه وسلم على غزوهم، وسار معه اثني عشر ألف مقاتل مسلم، ألحقوا بالمشركين شر هزيمة ونصر الله المؤمنين، وقتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلاً. انظر الحموي، ياقوت بن عبد الله معجم البلدان، ج 2، ص 313. وانظر
تفاصيل غزوة حنين في: ابن الأثير علي بن محمد الكامل في التاريخ، ج 2، ص 135 - 139.