الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٩الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي، فقال: «ما يبكيك يا عمر؟ فقلت: أبكاني يا رسول الله قلة هذه العصابة من المسلمين، واجتماع أمم الكفر عليها؟ قال: «لا تبك يا عمر، فإن الله سيفتح للإسلام باباً من المغرب قوماً يعز الله بهم الإسلام، ويذل بهم الكفر، أهل خشية وبصائر، سيموتون على ما أبصروا، ليست لهم مدائن يسكنونها، ولا حصون يتحصنون فيها، ولا أسواق يتبايعون فيها». فلذلك بكيت الساعة حيث ذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكر لي عليهم من الفضل. وأكرمهم عمر رضي
وأحسن إليهم، وردّهم إلى عمرو بن العاص، حتى قتل عثمان بن عفان.
وبلغنا عن رجل من ذرية أبي بكر، قال: قال علي بن أبي طالب: يا أهل مكة، ويا أهل المدينة، أوصيكم (388) بتقوى الله وبالبربر خيراً، فإنهم سيأتونكم الله بدين من المغرب بعد إذ تضيعونه هم الذين ذكر الله في كتابه لا يَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لابِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ الله [المائدة: 54]. وهم الذين لا ينظرون في حسب أحد خلاف طاعة الله.
قال البكري فمن حين ما وقعت الفتنة إنما نقاتل نحن العرب على الدينار والدرهم، وأما البربر فإنما يقاتلون على دين الله ليحيوه (ليقيموه). قال وهو يرفع الحديث إلى ابن مسعود أن آخر حجة حجها، فقام خطيباً، فقال: يا أهل مكة، ويا أهل المدينة، أوصيكم بتقوى الله وبالبربر، فإنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب وهم الذين استبدل الله بكم، إذ يقول: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَلَكُم﴾ [محمد: 38]. والذي نفس ابن مسعود بيده، لو أدركتهم لكنت أطوع لهم من إمائهم، وأقرب لهم من دثارهم.
وبلغنا عن عائشة لنا أنها أبصرت صبياً له ذؤابتان ذا جمال وهيئة، فقالت: من أي قبيل هذا من السبي؟ قالوا من البربر قالت: البربر يقرون الضيف، ويضربون بالسيف، ويلجمون الملوك لجام الخيل اللجم.