الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
17
واستقام الأمر لأبي الخطاب، وأحسن السيرة في رعيته، وعدل في حكمه وقضيته. ثم كتبت إليه امرأة من أهل القيروان تشكو إليه جور ورفجومة، وكانت ورفجومة مستولية على القيروان، فكتبت
أما بعد،،، يا أمير المؤمنين إن لي ابنة لم أحرزها إلا في حفرة حفرتها مخافة عليها من الورفجومة أن يفسدوها. فوصل إليه كتابها
تحت سريري،
وهو يتوضأ، فقرأه وصار يبكي رحمة لها لما نزل بها، فأمر، فنودي بصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فصلى بهم، وصعد المنبر، وقام خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه خيراً، ورغب أصحابه في الجهاد، وأمر رعيته بالاستعداد للحرب، وخرج من المسجد، فلما وصل باب المسجد، سلَّ سيفه وكسر غمده، وقال: لا حكم إلا الله. ترغيباً منه للمسلمين في الجهاد، وغضباً منه الله ولدينه. وبلغنا من طريق آخر أن ورفجومة أخرجوا من القيروان، امرأة وهي تصيح وتقول: أعينوني معاشر المسلمين فلم تجد أحداً يرفع عنها ما بها. فلما بلغ أبا الخطاب صل الله أجابها وأغاثها بمعاشر المسلمين.
وذكر بعض أصحابنا أن امرأة من أهل القيروان ظلمها ورفجومة، فصاحت من القيروان: يا أبا الخطاب أغثني، فأمد الله صوتها، وسمعها أبو الخطاب من مدينة طرابلس، فقال مجيباً لها: لبيك يا أختاه، لبيك يا أختاه. فعند ذلك أمر مناديه بالنفير، وخرج، وعسكر على طرف المدينة، حتى اجتمع إليه من أصحابه جموع كثيرة، ثم خرج بمن تبعه واتبعه عبد الرحمن بن رستم به، وخرجوا في سنة محلة ذات جوع وجدب، فأمدّهم الله فيها بالجراد، فإذا نزلوا نزل عليهم، وإذا ارتحلوا ارتحل معهم.
وبلغنا أن أبا الخطاب صلي الله لما خرج أمر، مناديه، فنادى: أيها الناس، من كان له أبوان كبيران أو واحد فليرجع، ومن كانت له عروس صغيرة