الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
19
ضعفوا، فأذعنوا له بالطاعة، فجعل عليها عاملاً. ولما وصل إلى أرض القيروان، حاصرهم أشد الحصار ما شاء الله.
ثم إن عاصم السدراتي مرض مرضاً شديداً، وكان من خيار العسكر، وهو أحد الخمسة الذين حملوا العلم، وهو أشد شوكة على أهل القيروان، فعلم أهل القيروان بمرضه، وأنه اشتهى قناة، فبعثوا بياعاً يبيع قثاء، وأعطوه قثاة مسمومة، وأمروه أن لا يبيعها إلا لعاصم السدراتي. فمضى البياع بما معه من القثاء إلى أن وصل إلى العسكر، فاشترى من عنده العسكر، وأكلوا، وجاء أصحاب عاصم ليشتروا منه، فبايعهم القناة المسمومة، فلما أكلها عاصم استشهد رحمه الله، فصاح أهل المدينة: أين عاصم السدراتي المقتول بالسم؟ وقالوا: مات عاصم يا بربر.
فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه، وبلغ فيه موت عاصم مبلغاً عظيماً، وقال لأصحابه: إنهم خدعونا وغدرونا، فسنخادعهم إن شاء الله. فأمر أهل عسكره أن يأخذوا أسلحتهم، ويخلوا أخبيتهم، ويخرجوا تحت الليل، ويأخذوا (393) الطريق مثل المنهزمين، فأصبح المعسكر خالياً، فظنّ أهل القيروان أنهم انهزموا وقالوا انهزمت البربر ومضوا في أثرهم وأبو الخطاب وأصحابه دخلوا الوادي الذي وراء فحص رقادة، وكمن فيه بخيله ورجله، وأخذ أهل المدينة في طلب أبي الخطاب وأصحابه) (1)، حتى لحقوهم، فوجدوهم معسكرين في ذلك الوادي، فخرج إليهم أبو الخطاب وأصحابه، فولوا منهزمين، وأبو الخطاب وأصحابه في آثارهم يقتلونهم، حتى دخلوا
وقبيلها أرباض يسكنها العرب والأفارق، وبساحلها مرفاً للسفن، وفي محيطها تعيش قبائل البربر: لواتة ولماتة ونفوسة وزواوة. يقول الشاعر:
لولا ابن لقمان حليف الندى سُل على قابس سيف الردى
معجم
انظر الحموي، ياقوت بن عبد الله. (1) استدراك من النسخة الأصلية ب، 399.
البلدان، ج 4، ص 289.