الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠الجامع لأخبار الأمة
المدينة، ودخل قوم أبي الخطاب معهم، فخلصت له المدينة سنة إحدى وأربعين ومائة من الهجرة.
وكان أبو الخطاب تقدم على أصحابه يوم الحصار، لا يفسدوا زرعاً لأهل المدينة، وكانت بقربهم مزرعة لشيخ من شيوخ القيروان، فبعث ابنه يرتاد المزرعة إن كان بقي منها شيء، فمضى الابن، فوجدها على حالها، لم يفسدوا منها شيئاً، فرجع إلى أبيه، فأخبره، فتعجب أهل المدينة من عدل أبي الخطاب وسيرته وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحق. وقال الشيخ لمن بحضرته: إنما أنتم تشبهون دينكم بدين أبي الخطاب.
وأمر أبو الخطاب أهل المدينة أن يخرجوا إلى قتلاهم ليدفنوهم. وتفقد أبو الخطاب القتلى، فوجد فيهم قتيلاً مسلوباً، فأمر منادياً ينادي في أخذ منكم من القتلى شيئاً فليرده، فلما آيس من ردّه، دعا
أصحابه من
الله أن يفضحه، ويظهره على أعين الناس، فأمر أصحابه أن يركبوا خيولهم ويجروها بين يديه، وكان رجل من أهل سدراته في العسكر، فأجرى العساكر خيولهم، وأجرى السدراتي فرسه معهم، فانقطع حزام سرجه ووقع، فخرجت كساه سفسا تحت سرج، فرسه، وقيل: جبّة حرير، فأخذه الإمام وحده، وقال: إنما نغزوا بمن يغزى.
وقيل: إن أبا الخطاب حين هزم أهل القيروان، أمر أن لا يجاز على جريح، ولا يتبع مول، فقال رجل من لواته كان في العسكر نأكل من أموالهم كفعلهم بغنائمنا. فقال أبو الخطاب إن فَعَلنا كفعلهم، فحقيق على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أَخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أَخْرَتَهُمْ لِأُولَنهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَكَاتِهِمْ عَذَابًا ضعفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 38].