الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢22
الجامع لأخبار الأمة
الأشعث من عسكر أبي الخطاب، فسألهم عن أخبار أبي الخطاب، فقالوا: نجمل أم نفسر؟ فقال: بل اجملوا فقال: رأينا رهباناً بالليل، أسداً بالنهار، يتمنون لقاءك كما يتمنى المريض لقاء الطبيب لو زنى صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه، خيلهم من نتاجهم ليس لهم بيت مال يرزقون منه، وإنما معاشهم من كسب أيديهم.
فلما وصفوا له أخبار أبي الخطاب وأصحابه هاله ذلك، فاستشار العامل المأمور له بالطاعة في الرجوع، فأبى عليه، فلما رأي منه ذلك، تخوف من الافتراق عمد إلى رجال قومه وأعطاهم هبة الطروش وكتباً كتبها على لسان أبي جعفر، وأمرهم أن يخرجوا من العسكر ليلاً، ولا يطلع عليهم. ثم تقدموا على العسكر ضحى، كأنهم رسل قدموا من بغداد من عند أبي جعفر المنصور، فلما جنَّهم الليل، خرجوا من العسكر مستخفين فلما كان الضحى، أقبلوا من ناحية المشرق وعلى هيئة الرسل، فابتدرهم العسكر من كل مكان يستخبرونهم عن أحوال بلدهم، وأقبلوا بهم إلى ابن الأشعث، فصافحهم، وسألهم عن أحوالهم، فقالوا: نحن رسل أبي جعفر إليك، (395) وأعطوه كتاباً، ففضها وقرأها، فإذا مكتوب فيها يأمرهم بالرجوع، وإنه قد ظهر بأرضنا ما نحن أحوج إليه مما أنتم فيه، فرجع ابن الأشعث، وكره صاحبه الرجوع. فلما رأى ابن الأشعث ذلك منه أمر به فقتل، فخيل للناس أن أبا جعفر أمره بذلك، وضم إلى نفسه العسكرين، وكر راجعاً إلى المشرق، وتباطأ في مسيره، وقرب المراحل والعيون تختلف بالأخبار من كلا الفريقين، فإذا ارتحل ابن الأشعث من أول النهار نزل عند انتصافه والعيون التي لأبي الخطاب كلما رأت ابن الأشعث رجع مرحلة رجعت منهم طائفة، وابن الأشعث كلما ارتحل من منهل، أمر خيلاً تقطع من خلفه الأثر، إن كان بقي في عسكره من عيون أبي الخطاب شيء أم لا، وعيون ابن الأشعث في عسكر أبي الخطاب مقيمة، فلما وصلت عيون أبي الخطاب إليه، أخبروه برجوع ابن الأشعث، وقد اجتمعت