الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣الباب الثاني والثلاثون في ذكر انتشار المذهب الإباضي في أرض المغرب
23
جنود أبي الخطاب نحواً من سبعين ألفاً، فابتدروه يسألونه الرجوع إلى منازلهم ومواطنهم، وذلك زمان الحصاد، فقال لهم أبو الخطاب: يا قومي، إن العرب أصحاب مكر وخداع، فلا تتفرقوا عن ملككم حتى تستيقنوا برجوع القوم. فغلبته العامة، فأذن لهم، فرجع كل إلى منزله ووطنه، وكل هذا وعيون ابن الأشعث مع أبي الخطاب.
فلما تفرقت الجماعة والجنود أسرعت العيون السير إلى صاحبهم، فأخبروه بافتراق العسكر عن أبي الخطاب، فكرّ راجعاً يطوي المراحل طياً، فلم يشعر بهم أبو الخطاب، حتى غشيت عساکره حيّز طرابلس، فقال أبو الخطاب لأصحابه: إن العدو قد غشى حريمي، ولا يسعني أن أقعد ولا أدافع عن
رعيتي، فهذا ما أقول لكم: إن العرب أصحاب مكر وغدر وخدائع ونكر.
ففرق أبو الخطاب رسله في البلدان التي وليها يستنفرهم ويستمدهم، وأرسل إلى عبد الرحمن بن رستم بمدينة القيروان يستمده ويستحشده، وأمر أصحابه بالخروج، وأشار عليه بعضهم بالإقامة حتى يأتيه إمداده من عماله ورعيته، فأبى عليهم، وقال: لا يسعني المقام بعد دخولهم حريم رعيتي، إلا أن أدافع عن الرعية ظلمهم، أو ألحق بالله.
فخرج له فيمن حضره من أصحابه، ومن كان بقرب المدينة من نفوسة وهوارة وصريشة وسائر البربر، يريد محمد بن الأشعث الخزاعي، فلقيه بتاورغا، وكان بينها وبين المدينة مسيرة ثمانية أيام، وقيل: أربعة أيام، وقد سبق ابن الأشعث، ونزل على الماء، وقال ابن الأشعث لأصحابه: لئن سبقكم (396) أبو الخطاب على الماء، واستراحوا وسقوا كراعهم، فإنكم لا تقدرون عليهم، وإن سبقتم عليه كنتم أنتم الأقدر.
فلما التقوا تاقت نفس أبي الخطاب وأصحابه إلى الجهاد في سبيل الله، قتالاً
وهم على بصائرهم، وكانوا قليلاً في كثير، فكثر فيهم القتل، وقاتلوهم