كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٤

24

الجامع لأخبار الأمة

شديداً، فكانت الرجال من الصفين تنهدم كالحيطان، وأبو الخطاب وأصحابه بقلة من معهم حتى استشهد واستشهد معه أربعة عشر ألفاً، وقيل: إثنا عشر ألفاً، ولم يفلت من عسكره إلا اليسير فتسامعت رعيته بقتله، فهربوا إلى الجبال، ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العالية. وكانت ولاية أبي الخطاب أربع سنين.

وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم لما بلغه رسل أبي الخطاب، أسرع في المسير، فلم يزل مجداً في السير حتى بلغه مقتل أبي الخطاب بمدينة قابس، فتفرق أصحابه وعساكره، ومن مستخفياً حتى دخل القيروان، فسمع به عبد الرحمن بن حبيب (1)، فثار في طلبه، واجتهد في تحصيله، فلم يصبه، ولم يقدر عليه، فما زال يبحث عن أخباره، ويتكشف عن آثاره، حتى ظفر به، وكان عبد الرحمن بن رستم قال في عبد الرحمن بن حبيب حين أراد المسلمون استعمال عبد الرحمن بن حبيب يا معشر المسلمين، لا تولّوا عبد الرحمن بن حبيب أمور المسلمين، فإنه إبليس عليه بشرة ابن آدم. فحقد عليه ابن حبيب، فلذلك اجتهد في طلبه، حتى ظفر به.

ثم ابتدر رجل من أهل المدينة من أصحاب عبد الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن حبيب، فقال: أيها الأمير لي إليك حاجة. قال: حوائجك مقضية إلا عبد الرحمن بن رستم. قال الرجل القروي: إن لم أسألك في ابن رستم ففي من أسألك؟ فشفعه فيه ابن حبيب.

(1) عبد الرحمن بن حبيب عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، أمير من الشجعان الدهاة. كان. أبيه بإفريقية، قتل أبوه سنة 122 هـ، فسار إلى الأندلس، وحاول اقتحامها، فلم يفلح، فعاد إلى تونس، فأقام إلى سنة 126 هـ، فبايعه أهلها، فسار بهم إلى القيروان، فملكها. وغزا تلمسان، وصقلية، وسردينية، فغنم غنائم عظيمة، ودوّخ، المغرب، ولم ينهزم له عسكر قط، قتله أخوه الياس وعبد الوارث غيلة في قصره بالقيروان سنة 137 هـ / 755 م. وكانت إمارته استقلالاً عشر سنين وسبعة أشهر. انظر الزركلي خير الدين: الأعلام، ج 3، ص 303.

٩٢٤ / ١٬٤٢٩