كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢

32

الجامع لأخبار الأمة

فبلغنا أنهم رأوا الوحوش تحمل أولادها بأفواهها خارجة منها، فزادتهم ذلك ترغيباً في عمارتها، وزادهم بصيرة في إنشائها.

ثم إنهم أطلقوا فيها النيران فأحرقت ما كان بها من الأشجار، وبقيت أصول الأشجار، فعمدوا إلى خيس فغسلوه ولثوه، وصاروا يدفنوه تحت أصول الأشجار، فلما جنّهم الليل جاءت الخنازير فشمت ريح تلك الخيس، فكانت تحفر تحت أصول الأشجار، فلما أصبحوا جاؤوا إليها، فوجدوا تلك الأشجار جميعها منقلعة على وجه الأرض.

ثم إنهم عمدوا إلى موضع فأصلحوه لصلاتهم، ثم انتخبوا أربعة أمكنة، واقترعوا عليها أيها يجعلونه المسجد الجامع، فوقعت القرعة على المكان الذي أصلحوه للصلاة، فبنوا فيه المسجد الجامع، وأخذوا في عمار سائر البلد، فجعلوها دوراً وقصوراً.

ثم إنهم وجدوا من أنفسهم، قوّة، وأنسوا طاقة، فأرادوا أن يولوا على أنفسهم رجلاً يقيم فيهم حق الله، فنظروا في القبائل، فوجدوا في كل قبيلة رأساً (400) أو رأسين كل يصلحون للإمارة، فتشاوروا فيما بينهم، فقال بعضهم: إن عبد الرحمن بن رستم الفارسي ممن لا يجهلون فضله، وهو أحد الحملة للعلم، وعامل الإمام أبي الخطاب له الله، وقد عرض عليه المسلمون الإمامة من قبل تولية أبي الخطاب، فأعرض عنها، ودفعها عن نفسه، ولم يردها، ولا سيما أن ليس له قبيلة تمنعه إذا تغير وتبدل، فإن رأيتم أن تولّوه أمور المسلمين فافعلوا. فاتفق رأيهم جميعاً على توليته ومبايعته، فبايعوه على الإمامة لكتاب الله وسنة رسوله وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين، فقبل عبد الرحمن إمامتهم، وأحسن السيرة في إمامته، ولم ينعم عليه أحد في الحكومة ولا الخصومة، ولم يكن على يديه افتراق والإباضية يومئذ كلها مجتمعة مؤتلفة، لم يثر منهم ثائر، وأبو عبيدة يومئذ حي، وتوفي في إمامة عبد الرحمن.

٩٣٢ / ١٬٤٢٩